من هندسة الانتخابات إلى هندسة الأحزاب في الأردن

لا يمكن فهم كنه السياسة الرسمية بمعزل عن الإحاطة بالصورة المجملة لواقع حال البلاد العربية.

النظام السياسي العربي، بمجمله، محكومٌ بمرجعياتٍ تمتدّ خيوطها إلى خارج حدود "سايكس وبيكو".

أصغر مواطن أردني بات على علم أن هناك خريطة حزبية يجري رسمها و"هندستها" خلف الغرف المغلقة.

* * *

يشعر مواطنون كثيرون في الأردن بالارتباك في فهم سياسة السلطة التنفيذية تجاه الأحزاب، وتجاه نشطاء حقوق الإنسان، فهي من جهة منشغلة بشكل محموم في قيام حياة حزبية نشطة، وتخطّط للانتقال بالشعب إلى حالة حزبية تفضي إلى قيام حكومات حزبية، وفي الوقت نفسه، تستميت في خنق حزب قائم ومحاصرته، وتمنعه من إقامة مهرجان ينتصر للقدس، التي يرتبط بها البلد بنوعٍ من العلاقة يكاد يكون مقدّسا.

فقد منعت حزب جبهة العمل الإسلامي من إقامة مهرجان بعنوان "يا قدس إنا قادمون" قبل ساعات من انطلاقه، مع أن نشاط هذا الحزب يتسق ويتفاعل "نظريا" مع حمّى الحكومة في رغبتها في تحزيب الشعب، ويترجم عمليا ارتباط البلد بالقدس راعية لمقدّساتها وفق اتفاقات مع سلطتي الاحتلال ورام الله، بل إن صورة قبة الصخرة، وهي رمز لمدينة القدس، تزيّن أحد وجوه ورقة نقد أردنية من فئة العشرين دينارا، فكيف نفهم التضييق على حزب قائم، ونجتهد في تسييد أحزابٍ لم تقم بعد، ونجتهد في قيامها و"هندسة" ولادتها؟

وفيما يخصّ نشطاء حقوق الإنسان الذين يسمّون في الأردن الحراكيين، فكثيرون منهم بين ممنوع من العمل أو معتقل، مع أن كل ما "يقترفونه" هو ما يكتبونه في مدوّناتهم على منصات الإعلام الشعبي، أو ما يرفعونه من شعاراتٍ ولافتاتٍ في تظاهرة أو وقفة احتجاجية، تطالب بنهضة الوطن ومحاربة البطالة والفساد والفقر واسترداد أمواله المنهوبة، وهي تقريبا الشعارات نفسها التي تطلقها السلطات الرسمية!

ويتم هذا في وقتٍ تزداد حمّى بلورة تشريعاتٍ لحفظ حقوق الطفل، (ماذا عن حقوق الراشدين؟) وسن تشريع يؤسّس لحياة حزبية في مؤسّسات التعليم العالي، علما أن الطالب الذي تلوّنت شخصيته بلون حزبي، هو أو أحد أقاربه حتى، كان يندرج تحت قائمة "المعاقَبين" على نحو أو آخر.

ولا يضيرني هنا أن أسوق واقعة صارخة كانت ضحيتها ابنتي إبّان دراستها في جامعة حكومية، حيث كان مصيرها الرسوب في إحدى المواد، لأن لها أبا كان في وقتٍ ما "ناشطا" حزبيا لا يروق لمدرّس المادة، المتماهي سلوكه مع السلوك الرسمي، المحارب لهذا الحزب(!).. علما بأنها أقسمت لي أنها لم تقصر في تقديم امتحان تلك المادة، وأنا أعلم بالطبع صدق كلامها فقد كانت متفوّقة في كل مراحل دراستها منذ الروضة وحتى الماجستير، ولكن لون أبيها الحزبي سبب لها عقابا من المدرّس من نوع غريب.

وفي الوسع هنا أن نسوق عشرات بل مئات الأمثلة على منع توظيف من يشتبه بانتسابه هو أو أحد أفراد عائلته لحزبٍ ما، مع أن الحزب مرخص رسميا ونشاطه علني، بل يعتبر جزءا من النظام السياسي، ويمتد تاريخه مع تاريخ نشوء إمارة شرق الأردن!

مفتاح فهم "ازدواجية" المعايير الأردنية الرسمية تجاه قضايا كبرى كثيرة (مثلا تدين الاحتلال الإسرائيلي وتتحالف معه في اتفاقات ومشاريع استراتيجية!) متركّز في جملة من المعادلات المعقدة التي رافقت نشوء الدولة قبل مائة عام، وطبيعة العلاقة مع المشروع الصهيوني في فلسطين.

ولا يمكن فهم كنه السياسة الرسمية بمعزل عن الإحاطة بالصورة المجملة لواقع حال البلاد العربية التي تأسّست بجرّة قلم حرّكه اثنان من دهاة السياسة البريطانية والفرنسية سايكس وبيكو على خريطة بلاد العرب، يوم 16 مايو/ أيار في العام 1916، فولدت كياناتٌ وتأسّست ممالك ودول وإمارات ومشيخات، وبقيت تلك الخطوط "الوهمية" بقلم ذينك الاثنين حدودا مقدّسة، رسمت مصائر شعوب ورهنت، على نحو أو آخر، مستقبلهم كله بما خطّط له سايكس وبيكو وورثتهما من منظومة حكّام العالم، العلنيين والسرّيين!

وفي السياق نفسه، نفهم تأسيس "هيئة مستقلة للانتخاب" ثم العمل في الخفاء (وحتى علنا أحيانا) على "هندسة" العملية الانتخابية بمنتهى "الحكمة!" لتفصيل برلمان على مقاس ما تهوى السلطة التنفيذية وتحبّ، وهو أمر لم يعد سرا، فلم يزل يتحدّث عنه حتى أعضاء في مجلس النواب الحالي، بل ينسب لرئيسه الحالي فيديو يصف البرلمان بأنه محض ديكور!

وكما "تهندس" السلطات النافذة كل شيء، ها هي اليوم منهمكة بهندسة حياة حزبية، ملتزمة بالمعايير والمقاسات البرلمانية نفسها، وليس سرّا أن أصغر مواطن أردني بات على علم أن هناك خريطة حزبية يجري رسمها و"هندستها" خلف الغرف المغلقة.

ويجري تداول الخطوط الرئيسة لهذه الخريطة سرّا وعلانية، من دون نسبتها لمصدر معلن، وهي تقوم على تأسيس أربعة أحزاب موالية ومضمونة، مع إعطائها مظاهر المبادرات الذاتية الشعبية المتنافسة مع بعض ملامح التنافر فيما بينها ومساحات من حرية التعبير والنقد لسياسات الحكومة ورموزها، لإكسابها مصداقية في الشارع:

الأول حزب وسطي مؤلف من مسؤولين وبرلمانيين سابقين وموالين ومنتفعين من جميع فئات المجتمع.

الثاني حزب ذو نكهة إسلامية مؤلفٌ من طيفٍ متعدّد من إسلاميين سابقين وحاليين، ومنشقّين عن جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي.

الثالث حزب يساري قومي يضم "من قفز إلى حضن الحكومة!" من طيف واسع من تنظيماتٍ يساريةٍ بادت أو في طريقها إلى الاختفاء، أو من كان مزروعا في صفوف الحركات اليسارية.

أما الرابع فهو حزب ليبرالي "من الصلعان!"، حسب تعبير ما يتم تداوله في منصّات الإعلام الشعبي، ويضم طيفا واسعا من "أزلام" التمويل الخارجي وجمعيات المجتمع المدني المموّلة من الخارج، ودعاة ما تسمّى "النيوليبرالية" والمستعربين وأعداء التوجهات الإسلامية والعروبية.

وكي تنجح "خريطة الطريق" الحزبية هذه، سيتم تقديم دعم قوي لهذه الأحزاب الناشئة ماليا ومعنويا وإعلاميا، وسيتبع هذا إعطاء مساحة مدروسة محدودة لحزب جبهة العمل الإسلامي الذي يتسيّد الساحة حاليا مع الاستمرار في تقليم أظافره ومواصلة التضييق عليه واستهداف هياكله وأتباعه وأنصاره، ومن ضمنهم كتلة الإصلاح النيابية ورموزها، وذلك كله بصورة موازية مع التضييق على حركة الإخوان المسلمين بكل السبل، وصولا إلى عزلها، وربما حظرها وتجريمها على الطريقة المصرية، ثم السعي في مرحلة لاحقة لإزالتها كليا من المشهد.

ليس بالضرورة أن تنجح "هندسة الحياة الحزبية" وفق ما تهوى أنفُس المخطّطين، ولكن تجربتهم في هندسة انتخابات النواب بنسبة "نجاح" مبهرة، تعطي للمرء قدرا هائلا من التشاؤم بشأن مستقبل هذا البلد، التي لا تختلف كثيرا عما يخطّط لغيرها من بلاد العرب، فالنظام السياسي العربي، بمجمله، محكومٌ بمرجعياتٍ تمتدّ خيوطها إلى خارج حدود "سايكس وبيكو".

وهو محكوم بقيود لم يخترها هو، ونحن هنا لا ندين القوم أو نصنّفهم، بقدر ما نحلل ونفهم ونشخّص، فمن يهندس يعتقد أنه يخدم البلد والنظام، ويُخلص في عمله كما لو كان عملا وطنيا خالصا، وهذا شأن من يقمع مظاهرة أو يعتقل ناشطا، ويبطش بداعية.

إنها معركة وعي تخوضها الأمة بأسرها، وهي تحتاج لتفكيك سايكس بيكو، بالتوازي مع هندسة سياسية حقيقية لا علاقة لها بتلك الخريطة اللعينة، بل تعيد بناء وطن عربي كبير وفق خريطة وطنية لا سايكسبيكية يتسع لكل أبنائه.

مشكلة الأردن جزء من مشكلة الوطن الكبير، وما يفرض عليه يفرض على غيره، ونحن خلقنا أمةً وسنبقى كذلك، ولا حل لمشكلاتنا إلا حين ننظر إليها ونفهمها من المنظور الشامل، الذي يأخذ بعين الاعتبار تاريخها القديم والحديث، ورسالتها الإنسانية الخالدة التي كرمها الله بحملها.

* حلمي الأسمر كاتب صحفي من الأردن

المصدر | العربي الجديد