الثلاثاء 30 أغسطس 2022 04:51 م

المجال الحيوي.. والشراكة الاستراتيجية

في الوضع الراهن يعاد رسم النظام الدولي، ويشتد الصراع بين منطق المجال الحيوي ومنطق الأحلاف والشراكات الاستراتيجية.

تتم مواجهة المشروع الروسي بمقاربة ليبرالية غربية رافضة لـ"المجال الحيوي" من منطلق جيوبوليتيك الأحلاف والشراكات التي استعادت زخمها القوي.

هل يمكن ضمان الأمن العالمي بتوسيع وتمديد الشراكة الاستراتيجية بمواجهة ميل عدد متزايد من القوى الدولية الصاعدة إلى فرض مجالات حيوية خارج حدودها؟

استعادة روسيا مواقعها السابقة تمكنها من بناء مشروع منافس وبديل للاتحاد الأوروبي تحت مظلة الناتو وهو التهديد الأكبر لنفوذها ومصالحها الجيوسياسية الحيوية.

*   *   *

في خطابه أمام المؤتمر العاشر حول الأمن الدولي المنعقد في موسكو الأسبوع الماضي، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن نهاية «الهيمنة الغربية» على العالم، مركزاً على تصادم الهويات السيادية المبنية على التقاليد القومية الحية و«النخب المعولمة الغربية» التي تريد أن تفرض نموذجاً أحادياً على المعمورة.

بوتين يكرر هنا النغمة السائدة في روسيا منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير الماضي، في تشديدها على أن روسيا في مجالها الاستراتيجي الحضاري الموسع الذي يشمل العالم السلافي على خطوط التماس الاورو آسيوية تمثل بديلاً جيوسياسياً للأمم غير الغربية ومحور نظام دولي تعددي ومتنوع الرؤى والمصالح.

لقد انعكس هذا الجدل في الأدبيات الاستراتيجية الغربية نفسها، التي تستشعر بقوة الأزمة العميقة التي يمر بها حاليا النظام الدولي في مكوناته السياسية والقيمية والمجتمعية.

في هذا السياق، يلاحظ العالم السياسي الفرنسي «فردريك شاريون» في كتابه «حروب النفوذ: الدول في غزوها للعقول» أن العالم يعرف حالياً ثلاثة أنماط من الاستراتيجيات:

- الرجوع لدوائر النفوذ الذي تتبناه القوى التسلطية المتشبثة بفكرة التعددية القطبية؛

- منهج الشراكة المتبادلة بين الدول السيادية بحسب مصالحها المتبادلة؛

- التنافس بين الدول وشبكات العالم الافتراضي العملاقة التي أصبحت تضاهي في القوة والتأثير أكبر القوى الدولية.

النفوذ الذي يقصده هنا شاريون يختلف عن أنماط أخرى من التأثير مشابهة له مثل الدعاية والتأطير عن طريق اللوبيات والقوة الناعمة التي تعني أساساً الإغراء والجذب.

ويمكن للنفوذ أن يكون بحسب المقاربة الليبرالية الغربية مرتكزاً على القانون الدولي ومقومات حقوق الإنسان، أو يكون عن طريق القوة والتحكم القسري كما لدى الأنظمة الإمبراطورية التسلطية.

ما نعيشه حالياً هو تجدد النقاش الاستراتيجي العالمي حول نمط النفوذ الممكن لضبط المصالح الجيوسياسية للقوى الدولية ما بين نموذج «المجال الحيوي» الذي كان سائداً قبل تشكل النظام العالمي الراهن ونموذج «الشرعية القانونية الدولية» الذي هو الإطار المعتمد في المنظومة الليبرالية.

يعود مصطلح «المجال الحيوي» إلى عالم الجغرافيا الألماني فردريك راتزل الذي بلور في نهاية القرن التاسع عشر أطروحة التمدد الحيوي للدولة خارج مجالها الجغرافي الضيق لحماية مصالحها الأساسية وأمنها القومي.

ومن المعروف أن هذا المفهوم شكل بؤرة الاستراتيجيات التوسعية الألمانية، خصوصاً في العهد النازي، ولقد اعتبر الفيلسوف القانوني كارل شميت أن «المجال الموسع» هو الأفق الاستراتيجي الطبيعي للدول التي يتجاوز حيزها القومي حدودها الجغرافية السيادية كما هو شأن الأمة الألمانية.

بعد مرحلة الاستعمار، تخلت الدول الأوروبية عن فكرة المجال الحيوي، لكنها حافظت على استراتيجيات نفوذ متعددة في فضاءاتها المحتلة سابقاً، كما هو شأن فرنسا في تزعمها للمنظومة الفرانكفونية وسيطرتها النقدية على جل مستعمراتها الأفريقية القديمة، وكما هو شأن المملكة المتحدة في رابطة الكومنولث.

إلا أن المجال الحيوي لا يعني هنا الإطار الجغرافي القومي بالمفهوم الألماني الكلاسيكي، الذي أعيد له الاعتبار في الأدبيات الروسية الجديدة. والواقع أن مفهوم «أوراسيا» الذي ظهر في عشرينيات القرن الماضي قد أصبح اليوم محور فكرة المجال الحيوي لدى المفكرين والساسة الروس المقريبن من الكرملين، وفي مقدمتهم الفيلسوف المثير للجدل الكسندر دوغين.

في بداية حرب أوكرانيا ظهرت افتتاحية في وكالة الأنباء الروسية «ريا نوفوستي» (حذفت من بعد من موقع الوكالة) تحدثت عن بروز عالم جديد تستعيد فيه روسيا جغرافيتها القومية والحضارية.

ومن هنا يمكن القول إن استعادة روسيا مواقعها في آسيا الوسطى والبلقان والقوقاز وشرق أوروبا تمكنها من بناء المشروع المنافس والبديل للاتحاد الأوروبي (تحت مظلة الناتو) الذي هو الخطر الأكبر الذي يهدد نفوذها ومصالحها الجيوسياسية الحيوية.

ما يحدث اليوم هو مواجهة المشروع الروسي من منظور المقاربة الليبرالية الغربية الرافضة لفكرة المجال الحيوي من منطلق جيوبوليتيك الأحلاف والشراكات التي استعادت زخمها القوي، بعد أن كان البعض يتحدث عن «الموت السريري لحلف الناتو».

هل يمكن ضمان الأمن العالمي عن طريق توسيع وتمديد مفهوم الشراكة الاستراتيجية في مواجهة ميل عدد متزايد من القوى الدولية الصاعدة إلى فرض مجالات حيوية خارج حدودها؟

إن هذا السؤال يستوقفنا بقوة في الوضع الراهن الذي يعاد فيه رسم النظام الدولي، ويشتد الصراع بين منطق المجال الحيوي ومنطق الأحلاف والشراكات.

* د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني

المصدر | الاتحاد