الأربعاء 21 سبتمبر 2022 06:01 م

تزايد الانقسام بين جماعات المعارضة السودانية حول صفقة سياسية برعاية دولية بين الممثلين المدنيين والعسكريين في البلاد.

وتتكون لجان المقاومة من المتظاهرين المؤيدين للتغيير بشكل جذري، وتمثل شرائح شعبية واسعة في جميع أنحاء السودان، وقد انقسمت بعمق حول مسألة دعم الصفقة، والتي يتوسط فيها جزئيًا مبعوثون من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات، وتدعمها بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتقالية في السودان (يونيتامس).

وكانت لجان المقاومة تتظاهر تحت شعار "اللاءات الثلاثة": لا مفاوضات ولا شراكة ولا مساومة"، وهم يتهمون الأحزاب السياسية المدنية، بقيادة تحالف قوى الحرية والتغيير، بالتعامل سراً مع الجيش السوداني للوصول إلى اتفاق وسط بشأن الانتقال من الحكم العسكري إلى المدني.

والآن أخبر بعض أعضاء لجان المقاومة موقع "ميدل إيست آي" أنهم يجب أن يدعموا ما يعتقدون أنه خطوة أولى واقعية على الطريق إلى الحكومة المدنية.

رفض التسوية مع الجيش

في 25 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، نفذ الجيش السوداني انقلابا بقيادة الجنرال "عبد الفتاح البرهان" مما أدى إلى انحراف مسار المرحلة الانتقالية التي بدأت بعد الإطاحة بالرئيس "عمر البشير" في أبريل/نيسان 2019.

ومع اندلاع احتجاجات مناهضة للانقلاب كل أسبوع وتدهور اقتصاد البلاد، تعهد "البرهان" في خطاب متلفز في يوليو/تموز من هذا العام، بالتنحي وإفساح المجال أمام الفصائل السودانية للاتفاق على حكومة مدنية.

وفي ذلك الوقت، رفض الزعماء المدنيون الخطاب باعتباره "خدعة" وحافظت لجان المقاومة على شعارها الحاشد للمتظاهرين بـ"لا تفاوض ولا شراكة ولا مساومة" مع الجيش.

أما قوى الحرية والتغيير - التي تدعم الوساطة الدولية لحل الأزمة التي عصفت بالسودان منذ الانقلاب - فإنها تنكر أي نية للتسوية مع الجيش، وتؤكد على أنها تهدف إلى وضع حد للانقلاب.

وفي حين أن قوى الحرية والتغيير وبعض العناصر الأخرى في المعارضة السودانية تقبل وساطة المجتمع الدولي وهي منفتحة بالفعل على التفاوض مع الجيش، فإن الحركة الثورية الشعبية الأكثر راديكالية، بما في ذلك لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين والحزب الشيوعي، يرفضون في معظمهم الصفقة مع الجيش والتنسيق سياسيا مع قوى الحرية والتغيير.

وفي ظل الانقسام بين مجموعات المعارضة، بدأت نقابة المحامين في التنسيق مع قوى الحرية والتغيير، ومنظمات المساعدة القانونية الدولية وغيرها من أجل إعداد إعلان دستوري جديد لتوجيه فترة الحكم الانتقالي والذي من شأنه تمهيد الطريق للانتخابات.

انقسامات في المعارضة

شهد الأسبوع الماضي انقسامات في المعارضة، بما في ذلك داخل لجان المقاومة. وأعلنت بعض اللجان أنها تسعى إلى الاصطفاف مع كافة الكيانات المعارضة للانقلاب - بما في ذلك الأحزاب السياسية - في حين أن البعض الآخر يرفض هذه الفكرة ويتمسكون بنهجهم الراديكالي في معارضة الانقلاب.

وقال أحد أعضاء لجان المقاومة البارزين في الخرطوم: "نريد توحيد جميع القوى المعارضة للانقلاب، ونريد التنسيق في الخطوة الأولى معًا، ثم سيكون لدينا بالتأكيد أفكار ورؤى مختلفة حول كيفية بناء البلاد لاحقًا".

لكن "سامي عبد الله"، وهو عضو بارز آخر في لجان المقاومة، قال إنه كان هناك خلاف كبير داخل اللجان، مضيفًا أن "المبادرات التي حصلت على دعم قوى الحرية والتغيير والمجتمع الدولي تهدف فعليًا إلى تفكيك القوى التي تدعم التغيير الراديكالي في البلاد".

وقال "عبد الله": "قبول المبادرة يعني أننا نتراجع عن شعار اللاءات الثلاثة. نعلم جميعًا أن قوى الحرية والتغيير ليس لديهم مشكلة مع الجيش وأنهم جلسوا عمليًا في محادثات معه، تحت رعاية دولية".

وذهب "عبد الله" إلى أبعد من ذلك في انتقاده لقوى الحرية والتغيير وعناصر أخرى من المعارضة، حيث قال: "هذه المجموعات التي تمثل قوى الحرية والتغيير - أجزاء من لجان المقاومة وغيرهم من الإصلاحيين والمتنازلين الذين يتفاوضون على امتيازاتهم الخاصة - يريدون بالفعل الدخول في نوع من تقاسم السلطة مع الجيش".

لكن عضو اللجان الأول قال: "الالتزام بهذه الأفكار الدوغمائية سيؤدي إلى فقدان فرصة إنهاء الانقلاب، دعونا نعيد الحكم المدني أولاً، ثم يمكننا اتخاذ خطوات أخرى لاحقا".

التوحد لهزيمة الانقلاب

من جانبها، رحبت قوى الحرية والتغيير بالمبادرة، مؤكدة على أن الخطوات العملية لإنهاء الانقلاب العسكري بدأت. وقالت قوى الحرية والتغيير في بيان: "نرحب بالبيان الأخير الذي أصدرته قيادة لجان المقاومة في ولاية الخرطوم والذي يتبنى التنسيق بين المكونات الثورية المختلفة لإنهاء الانقلاب وتأسيس حكم ديمقراطي مدني بالكامل".

وأضاف: "نعتقد أن أفضل طريقة لإسقاط الانقلاب هي توحيد القوى المدنية، ونعلم أن الجانب الوحيد الذي يستفيد من الانقسامات بين القوى الثورية هي قوى الثورة المضادة".

وفي الوقت نفسه، شاركت نقابة المحامين، بالتنسيق مع قوى الحرية والتغيير، ومنظمات المجتمع المدني المحلي الأخرى وبعض منظمات المساعدة القانونية الدولية، في إعداد مشروع دستور تم الانتهاء منه الأسبوع الماضي.

وأخبر مصدر مقرب من نقابة المحامين موقع "ميدل إيست آي" بشرط عدم الكشف عن هويته أن المسودة تتضمن تشكيل هيكل جديد للحكم المدني بما في ذلك مجلس الوزراء والجمعية التشريعية وغيرها من اللجان المستقلة، مضيفًا أنه سيحد من دور الجيش في إعادة هيكلة القوات المسلحة السودانية.

وفي تقرير جديد إلى مجلس الأمن، حذرت "يونيتامس" من أن العملية السياسية وصلت إلى نهاية مسدودة، وأن هذه المشكلة تساهم في زيادة انعدام الأمن في أجزاء مختلفة من البلاد، وكذلك تدهور الوضع الاقتصادي والإنساني.

وقال التقرير: "من 6 مايو/أيار إلى 17 أغسطس/آب، تم تسجيل 569 حادثًا أمنيًا، مقارنة بـ 419 خلال فترة التقرير السابق". وحذرت "يونيتامس" كذلك من زيادة انتهاكات حقوق الإنسان وتعمق انعدام الأمن الغذائي.

العسكر يتطلعون لحماية أنفسهم

يعتقد "جوناس هورنر"، وهو المحلل المتخصص في السياسة السودانية بمجموعة الأزمات الدولية، أن الجهود الدولية لحل الأزمة الحالية في السودان غير قوية بشكل كافٍ، مضيفًا أن الانقسامات داخل الجانب المدني عرقلت حل الأزمة.

وبحسب "هورنر"، فمن المرجح أن تُواجه المبادرة الجديدة برفض واسع النطاق من السودانيين، إذا تضمنت تقاسما للسلطة مع الجيش.

واعتبر "هورنر" أن لجان المقاومة أثرت على خطاب قوى الحرية والتغيير. وأوضح قائلًا: "في حين أن لجان المقاومة أجبرت قوى الحرية والتغيير على إعادة معايرة موقفها السياسي للتوافق بشكل أوثق مع متطلبات الشارع الواسعة من العملية السياسية، فإن قوى الحرية والتغيير (والمجتمع الدولي) يمكن أن تفعل المزيد لجذب لجان المقاومة إلى موقف أكثر برجماتية".

وقال "هورنر" إن هناك القليل من الحوافز للجيش لتسليم السلطة لقوى سياسية مدنية مضادة للانقلاب، مشيرا إلى أن أي خروج سيتطلب ضمانات سودانية ودولية للجيش بشأن دوره المستمر في اقتصاد وسياسة البلاد، إلى جانب تأكيدات بالإفلات من العقاب على الانتهاكات التي وقعت خلال الحروب الأهلية في البلاد وثورته الأخيرة.

المصدر | محمد أمين/ ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد