تطوّر سياسي كبير في السودان

الجمعة 18 نوفمبر 2022 01:24 م

تطوّر سياسي كبير في السودان

إعلان «الحرية والتغيير» أن مجلس الوزراء سيتألف من المدنيين فحسب انتصار كبير للاحتجاجات السودانية.

المعركة التالية ستدور حول ضبط التفاهمات المعلنة، وتحويلها إلى حكومة مدنية فاعلة قادرة على تحريك السودان في اتجاه انتقال ديمقراطي فعلي.

سيتركز عمل البرهان وشركائه على الحفاظ على امتيازات المؤسسة العسكرية والحفاظ على تماسكها وفرض الولاية السياسية والمالية على شركات الجيش.

*  *   *

أدت تفاهمات عامة بين المدنيين والعسكر في السودان على «مسودة مشروع دستور» أنجزته لجنة المحامين السودانيين، إلى صدور إعلان من «قوى إعلان الحرية والتغيير» تحت عنوان كثيف الدلالة وهو: «نحو عملية سياسية تنهي الانقلاب وإكمال مهام ثورة سبتمبر»، للإعلان عن اتفاق مبدئي بين قوى سياسية مدنية واسعة مع «المكوّن العسكري».

ينقسم الاتفاق، حسب تصريح الواثق البربر، القيادي في قوى الحرية والتغيير، إلى مرحلة أولى لتطبيق تفاهمات، ومرحلة ثانية يتم فيها الاتفاق النهائي، وتضم التفاهمات، إلى الائتلاف المذكور، «أطراف قوى الانتقال» (وهي جهات سياسية مدنية موافقة على العمل مع «الحرية والتغيير» لتنفيذ الانتقال الديمقراطي)، من جهة، والعسكر، من جهة أخرى.

جاء هذا الإعلان بعد جولة خارجية لرئيس مجلس السيادة وقائد الجيش في السودان، عبد الفتاح البرهان، شملت لندن، ثم نيويورك، حيث قدم خطابا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم القاهرة، التي أجرى فيها محادثات مغلقة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فالجزائر التي شارك فيها في القمة العربية، قبل أن يعود للخرطوم، ثم ينتقل لشرم الشيخ للمشاركة في مؤتمر المناخ الدولي.

حذر البرهان في خطاباته الأخيرة القوى السياسية من محاولة التأثير على ضباط القوات المسلحة وعناصرها، وتركز خطابه الأول على تحذير «الحركة الإسلامية في السودان» من «التخفي وراء الجيش» (في رد، على ما يبدو، على إعلان قام به ضباط سابقون شكلوا فيه جماعة بدعوى الدفاع عن المؤسسة العسكرية)، لكنه طور، في خطابه الثاني، التحذير من تدخل المكوّنات السياسية في الجيش لتشمل «الحزب الشيوعي» و«البعثيين»، وصولا إلى تهديد من «يحرضون الضباط والعساكر على العمل الهدام» بـ«قطع الأيدي والألسن»، فيما خصص خطابه الثالث للدفاع عن الشرطة «لأن من يسيء للشرطة يدعو للفوضى والإخلال بالأمن».

تشير هذه الخطابات إلى إحساس البرهان بأن الاحتجاجات المتواصلة منذ انقلاب تشرين أول/أكتوبر 2021، صار لها مفاعيلها داخل الجيش السوداني، وأن تضافر ذلك مع الضغوط الدولية، عبر الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي، والدول الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، جعلت البرهان يشعر بصعوبة كبيرة في تسيير البلاد بالطريقة التي كان يأمل بها، في الوقت الذي تستمر فيه المجازر في دارفور وأنحاء أخرى، ويقرر مجلس نظارات البجا «الاستقلال عن الدولة»، من دون أن يُستبعد، فوق ذلك، وجود مخاوف لدى البرهان من محمد حمدان دقلو (حميدتي)، شريكه في قيادة «المكوّن العسكري»، الذي أعطى إشارات عديدة دالة على إبعاد نفسه عن البرهان.

حسب وسائل إعلامية، ونقلا عن مصادر أمنية سودانية، فإن جولة البرهان الخارجية سبقتها زيارة غير معلنة إلى الخرطوم لرئيس المخابرات السعودية ووفد من المخابرات المصرية، نقلا رسائل من الرياض والقاهرة، بالتزامن مع تحليلات تقول إن تحركات البرهان كانت ردا على «خصومه» بأنه ليس معزولا، وأن العالم يتعامل معه كرأس للدولة، ويمكن أن يقبل به زعيما للسودان بعد ترتيبات جديدة لما بعد نهاية المرحلة الانتقالية، من دون أن نتجاهل محاولة البرهان إبقاء خطوط الاتصال مع إسرائيل، وهو ما تجلى بتهنئته لبنيامين نتنياهو بفوزه في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

إعلان «الحرية والتغيير» أن مجلس الوزراء سيكون مؤلفا من المدنيين فحسب، هو انتصار كبير للاحتجاجات السودانية، وأن المعركة التالية ستكون حول ضبط هذه التفاهمات المعلنة، وتحويلها إلى حكومة مدنية فاعلة قادرة على تحريك السودان في اتجاه مرحلة انتقال ديمقراطي فعلي.

سيتركز عمل البرهان، وشركائه في السلطة، على الحفاظ على امتيازات المؤسسة العسكرية، والحفاظ على تماسكها، والتفاوض على مجمل القضايا التي أدت للانقلاب البائس، ومنها طبعا «العدالة الانتقالية»، ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم ضد المدنيين، وفرض الولاية السياسية والمالية على شركات الجيش.

المصدر | القدس العربي

  كلمات مفتاحية

السودان العسكر الجيش الحرية والتغيير المدنيين حكومة مدنية انقلاب تفاهمات العدالة الانتقالية مسودة مشروع دستور المكون العسكري