تفنيد صورة العرب النمطية في الإعلام الغربي.. أهم مكاسب مونديال قطر

الأحد 4 ديسمبر 2022 09:08 ص

بين رنين الأذان في القلوب وصخب الموسيقى الناطقة بكل أصوات الإنسانية، وشوارع وميادين الدوحة وملاعبها الضخمة، وعلى ضفاف الخليج وممشى الكورنيش، وفي منصات متحف الفن الإنساني؛ يتخلّق وعي حضاري جديد وتنكسر مسلَّمات غربية، وتزداد لائحة المسلمين والمنصفين من الغرب، وتكتب قطر صفحة أخرى من رسائلها نحو العالم والعالمية.

فقد كان احتضان العاصمة القطرية الدوحة، لبطولة كأس العالم، إحدى أدوات تغيير الصورة المنطية للعرب والمسلمين في الإعلام الغربي.

ومثلت استضافة قطر وتنظيمها لكأس العالم، وهي أكبر بطولة رياضية، انقلابا ثقافيا عالميا، عبر تصدير القيم الإسلامية والعربية، والتأكيد على الهوية الحضارية الإسلامية العربية.

ولعل ما شهده المونديال من رسائل متعددة، يغير في ذهنية العديد من زوار قطر تشكيل قطعياتها تجاه العرب والمسلمين، ما يمهّد لانهيار الكثير من أجزاء الصورة التي ترسمها بعض دوائر الغرب عبر الفن والإعلام عن المسلمين وثقافتهم.

وبحسابات الربح والخسارة، فإن قطر هي الرابح الأكبر من تنظيم بطولة كأس العالم، ومعها العالم العربي.

فحفل الافتتاح أقيم في استاد "البيت"، حيث رمزية الأمان والعائلة، وقد صُمم الملعب على شكل خيمة عربية بما يؤشر على الكرم والضيافة، ويذكّر بأن العرب أصحاب حضارة ضاربة في عمق التاريخ. 

"من قطر، من بلاد العرب نرحب بالجميع في بطولة كأس العالم 2022"، بهذه الكلمات افتتح أمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني" فعاليات البطولة متحدثا بلسان كل العرب، ومؤكدا على الهوية العربية الإسلامية.

كما أن كل المفردات البصرية التي استُخدمت بها أفضل التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي كان لها دلالاتها، والنصوص التي قيلت على لسان المتحدثين انتُقيت لاستعادة مفاهيم وقيم التسامح، والتنوع، والاختلاف، والعدالة، والكرامة الإنسانية.

بالتأكيد، لا يمكن لـ28 يومًا من الاتصال بين الشرق والغرب، على أرض عربية هذه المرة، تغيير كامل للصورة التي تكرّست خلال عقود طويلة، وتعمّقت أكثر بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2011، التي استهدفت الولايات المتحدة، وكانت غالبًا ما تظهر الإنسان العربي بأنماط سلبية، منها على سبيل المثال لا الحصر، نمط البدوي معاد الحداثة والتطوير.

إضافة إلى أنماط أخرى ومنها الثري الذي يصرف أمواله على متعه،، أو شاب متطرف أدمن زرع الألغام وحزّ الرؤوس، أو امرأة ليست سوى كائن مكبوت يبحث عن منفذ خلف أستار الخيام البدوية.

ولكن المؤكد، أنه توجد صورة أخرى يمكنها أن تصنع فارقًا كبيرًا بحجم مونديال 2022، تقرأ تفاصيلها في الكثير من تصريحات وتعليقات الذين يحضرون الحدث الكروي، خاصة من غير "المؤدلجين" و"المتعصّبين"، ومنهم من يزور المنطقة للمرة الأولى في حياته ويجلس بين أهلها، ويلبس لباسهم ويتحدّث بما يستطيع ترديده بألسنتهم، ويمشي في أسواقهم دون ترفّع أو استعلاء.

وفد على قطر مشجعون من كل القارات (أكثر من 1.2 مليون) في أكبر حالة سفر عالمية بعد الحج، دون أدنى مخاوف أو قلق، وأطل هؤلاء من مدرجات الملاعب الكروية الثمانية، ومن شوارع قطر ومساجدها وحدائقها ومسارحها، على صورة أخرى للإنسان العربي، بثوابته الراسخة وبروحه المبدعة، ووجدانه الإنساني المنفتح.

ومن بين جاذبيات المونديال المؤثرة، كانت رسائل الأذان الصدّاح على مسامع الملايين، حيث دفع الكثيرين إلى التوقّف عند هذا النداء الإلهي، الذي يهزّ شباك القلوب بأرسخ وأقوى وأجمل مما تهتز به شباك المنتخبات.

وأمام مظاهر التعريف بالإسلام وتقديمه من نوافذ جديدة ليست التي عرفها الغربيون، فقد سجّل مؤشر الدخول اليومي في الإسلام ارتفاعًا متواصلًا، وسط إقبال من الزوار على بعض المساجد، خاصة مسجد "كتارا" للبحث عن حقيقة الإسلام، مما يعني وصول واحدة من الرسائل الحضارية لاحتضان بلد عربي مسلم لهذا الحدث الكبير.

فيما جرّبت نساء غربيات، بدعوة من سيدات في قطر، ارتداء الحجاب لأول مرة، وسجّلن بتقدير واحتفاء الشعور الغامر تجاه الحجاب، الذي يرمز في بعض الدول للتشدّد، وتسعى أطراف يمينية غربية لجعله دليل إرهاب ورسالة عنف.

كما سجّل كثير من مشجعي المونديال مستوى الضيافة والاحتضان الشعبي، زيادة على مستويات الكرم العالية التي قابل بها القطريون ضيوفهم، والتي تضمّنت على المستوى الرسمي: هدايا على كل مقعد في ملعب المباراة الافتتاحية، وفي المباريات الأخرى.

وتنوّع هذا الكرم على المستوى الشعبي، حيث تُظهر المقاطع المرئية المتداولة مشاهد يومية لتوزيع القهوة والحلوى والمشروبات على الجماهير الرياضية، أمام الملاعب وفي الأسواق والشوارع.

كما تعرّف بعضهم للمرة الأولى على المجالس المفتوحة وثقافتها وكرم أهلها، ووثّق بعضهم تلك التجربة في مرئيات نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، تحدّثت باحتفاء كبير عن تلك العادة العربية التي تنتشر بشكل خاص في دول الخليج.

كما لم تغب الغترة والعقال عن المشهد، فتسابق المشجعون إلى ارتداء الغترة ولبس العقال، فيما تكفّل قطريون ومقيمون بمساعدتهم على الظهور بهذا الشكل الخليجي، الذي طالما تم تسويقه -في بعض وسائل الإعلام الغربية ذات التوجهات اليمينية- على أنه لباس تطرف وإرهاب.

يقول الكاتب "محمد الشبراوي" إن "نجاح القوة الناعمة القطرية وتمددها هو نجاح لتجربة عربية إسلامية، يعيد صياغة الصورة العربية، ويقدم نموذجا جديرا بالاهتمام والدراسة".

ويضيف: "يحمل نجاح قطر في تنظيم المونديال بشكل غير مسبوق أبعادا تتجاوز حدود المجال الرياضي، إلى أبعاد أخرى سياسية وثقافية، وحضارية، في ظل تحولات عالمية، ويؤكد أن شعوب المنطقة العربية تمتلك القدرة على المساهمة الفاعلة في صنع الحضارة الإنسانية، وأنها في طريقها لاستعادة مكانها المناسب ومكانتها اللائقة في المنظومة العالمية".

ويتفق معه الكاتب "عاصم بن سالم الشيدي"، وهو يقول: "المونديال بات شاهدا على تغيير الصورة النمطية التي رسمها الإعلام الغربي في رأسه ضمن الحرب الحضارية والثقافية ضد المسلمين".

ويضيف: "رأت الملايين من الجماهير التي تمثل العالم أجمع أن هذه البقعة من أرض المسلمين والتي تمثل جزءا من كل هو العالم الإسلامي، أرض طبيعية ببشر طبيعيين مثلها ومثلهم مثل بقية سكان البلاد على كوكبنا، بل هي أكثر حداثة بالمعنى التقني عن الكثير من المدن في عموم الغرب".

ويتابع: "وجد زوار كأس العالم حتى الآن ما أذهلهم وكشف لهم زيف الصورة النمطية التي رسمت لهم عن العرب وبلادهم عبر القرون الطويلة".

ويختتم حديثه بالقول إن "الكثير من النجاحات التي ستخرج بها البلاد العربية من التنظيم الجيد للمونديال فهو المساهمة في تغيير الصورة النمطية عن العرب والمسلمين بكل تجليات تلك الصورة القبيحة، إلى صورة تقدمية أكثر بكثير عن فكرة التقدم الذي يعيشه الغرب".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات

  كلمات مفتاحية

مونديال قطر قطر الصورة العربية الثقافة العربية الغرب