بولتكس ريفيو: الشرق الأوسط يخرج نظام الأسد من عزلته ويعزز الاستبداد بالمنطقة

السبت 21 يناير 2023 07:35 م

اعتبرت خبيرة العلاقات الدولية "داليا داسا كاي" أن دول الشرق الأوسط لاسيما العربية منها نجحت في إخراج الرئيس السوري "بشار الأسد" من عزلته التي تواصلت قرابة عقد من الزمن، ووضعت الولايات المتحدة والغرب المنشغل بأوكرانيا، أمام الأمر الواقع الأمر؛ ما سيترتب عليه تعزيز الحكم الاستبدادي في جميع أنحاء المنطقة.

وتعمل "كاي" حاليا زميلة أولي في مركز "بيركل" التابع لجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، سبق لها العمل كمديرة لمركز السياسة العامة للشرق الأوسط في مؤسسة "راند".

وذكرت "كاي" في تحليل مطول نشره موقع "وورلد بولتكس ريفيو" أنه من الواضح أن عام 2023 بدأ بزخم متزايد لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد، بما في ذلك زيارة من وزير الخارجية الإماراتي "عبدالله بن زايد" لدمشق في أوائل يناير/ كانون ثاني، التقى خلالها بـ"الأسد"

وأضافت أن زيارة الوزير الإماراتي لدمشق أعقبتها أنباء عن إجراء اجتماع لم يكن من الممكن تصوره في السابق بين الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" و"الأسد".

وأشارت الخبيرة إلى أن الدفعة الأخيرة لمحاولات دول الشرق الأوسط لإخراج "الأسد" من عزلته، ظلت لسنوات في طور الاعداد، تعكس اتجاهات جيوسياسية أوسع من أي واقع جديد داخل سوريا نفسها.

دعم الجيران

وقالت الخبيرة إنه بالرغم من عدم عودة سوريا لجامعة الدول العربية منذ تعليق عضويتها في 2011، وغيابها عن القمة الأخيرة للجامعة في الجزائر، فقد تحسن موقع "الأسد" الإقليمي بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

وأضافت أن الجيران الذين دعموا المعارضة السورية في السابق يتصالحون الآن مع حكومة "الأسد" المسؤولة عن ارتكاب فظائع لا توصف، والتي تمكنت فقط من البقاء في السلطة عبر الدعم الروسي والإيراني.

ولفتت إلى أنه باستثناء قطر - من بين أكثر المؤيدين العرب نشاطاً للمعارضة السورية - استأنفت كل الدولة العربية تقريباً مستوى معين من العلاقات الدبلوماسية مع حكومة "الأسد".

كانت الإمارات في طليعة جهود المصالحة بإعادة فتح سفارتها في دمشق عام 2018. وأعادت دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، مثل سلطنة عُمان والبحرين، سفراءها إلى سوريا في عامي 2020 و2021 على التوالي.

وفي عام 2021، التقى وزير الخارجية المصري بنظيره السوري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، واستكملت زيارة وزير الخارجية الإماراتي الأولى لسوريا في نوفمبر/تشرين ثان 2021 مسيرة تطبيع العلاقات.

وبالمثل، تدعم عمان التواصل مع نظام "الأسد" لمواجهة التحديات في سوريا التي تؤثر على الأردن المجاور- ولا سيما عدد اللاجئين السوريين الضخم وكذلك تهريب المخدرات - ولتسهيل التعاون الاقتصادي الإقليمي.

كانت زيارة الأسد إلى الإمارات في مارس/آذار 2022 هي الأولى له إلى عاصمة عربية - أو في الحقيقة إلى أي مكان آخر غير موسكو أو طهران - منذ بداية الحرب الأهلية في عام 2011، مما زاد من كسر المحرمات المتعلقة بالتعامل مع الديكتاتور السوري المنبوذ.

دوافع متنوعة

ورأت خبيرة العلاقات العامة، أن هناك دوافع متنوعة وراء تبني الدول العربية للأسد مؤخرًا، وهي ليست موحدة بأي حال من الأحوال، مشيرة إلى أن إحدى المصالح المشتركة تتمثل في منع امتداد النزاعات وزعزعة استقرار الشؤون الداخلية للدول المجاورة.

وذكرت أن هذا يشجع جهود خفض التصعيد الإقليمية لإنهاء النزاعات الأهلية في سوريا واليمن وليبيا، وبالنسبة للدول الغنية بالنفط في الخليج، يبدو أن تلطيف سياساتها التدخلية السابقة مدفوع جزئيًا بالرغبة في التركيز على برامج الإصلاح المحلي الطموحة.

ولفتت إلى أن الدول العربية خارج منطقة الخليج، التي يواجه العديد منها تحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة في أعقاب الوباء وأزمة الأمن الغذائي التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا، لديها أيضًا أولويات تعلو على مواجهة "الأسد".

وذكرت أنه اقتراب لبنان من الانهيار الاقتصادي والسياسي، لم تعارض حتى الولايات المتحدة خطة لنقل الغاز الطبيعي من مصر إلى لبنان عبر سوريا والأردن، على الرغم من العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ضد الحكومة السورية والتي لا تزال سارية.

تطبيع بلا رجعة

وقالت خبيرة العلاقات الدولية أنه ربما يكون التحوّل الأكثر دراماتيكية هو تحسن العلاقات بين أنقرة ودمشق، بالنظر إلى أن تركيا كانت من بين أكبر الداعمين الإقليميين لمعارضة الأسد طوال الحرب الأهلية السورية.

وتدعم روسيا بقوة المصالحة التركية مع "الأسد"، بعد أن أصبحت هي نفسها أكثر اعتمادًا على الدعم الاقتصادي والسياسي لـ"أردوغان" مع استمرار الحرب في أوكرانيا.

وذكرت أن الحرب الأوكرانية تمكّن "أردوغان" من جذب المزيد من الدعم الروسي لمواجهة القوات الكردية في سوريا، وهو مصدر قلق رئيسي لتركيا ومصدر قلق مستمر في واشنطن، لا سيما مع احتمال توغل تركي في سوريا يلوح في الأفق.

ولفتت إلى أن "أردوغان" ذاته قد يرى أيضا فائدة في المصالحة مع "الأسد" قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية حيث يمكن أن يصبح ما يقرب من 4 ملايين لاجئ سوري لا يزالون يعيشون في البلاد قضية انتخابية.

يعكس اجتماع وزيري الدفاع التركي والسوري الذي استضافته موسكو في أواخر عام 2022 هذا التوافق المتزايد للمصالح لصالح تحول تركي نحو التطبيع مع نظام الأسد.

وذكرت "كاي" أنه يبدو أن هذه الاتجاهات العالمية والإقليمية تعمل على تسريع استعداد جيران سوريا لقبول بقاء الأسد في السلطة، مما يجعل التطبيع في سوريا على الأرجح حقيقة لا رجوع فيها.

السوريون خاسرون

واستبعدت "كاي" أن تفيد هذه التحولات الرامية لتطبيع العلاقات الإقليمية مع نظام "الأسد" بشكل كبير الشعب السوري.

وأكدت أن الشعب السوري تحمل العبء الأكبر من قمع "الأسد" ونظامه الدموي، حيث قُتل ما يقدر بنحو نصف مليون سوري وتعرض الكثير من السكان الباقين لانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.

وأضافت أنه من غير المحتمل أيضًا أن تؤدي المشاركة الاقتصادية من الدول المجاورة، أو توسيع الدعم الإنساني الدولي، إلى عكس الظروف الاقتصادية المدمرة بشكل كبير في بلد لا يزال نصف سكانه قبل الحرب نازحين ويواجهون انعدام الأمن الغذائي، مع وجود 90%من السكان الحاليين تحت خط الفقر.

تحولات جيوسياسية أوسع

وذكرت "كاي" أنه في حين أن السوريين أنفسهم قد لا يستفيدون من التطبيع، فإن حركة إعادة تأهيل الأسد؛ تعكس تحولات جيوسياسية أوسع، بعضها لا يقل إثارة للقلق.

وأشارت إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تواصل لعب دور حاسم في المنطقة على الرغم من التصورات بتراجع انخراطها بالمنطقة.

وعقب "لكن ليس هناك شك في أننا دخلنا شرق أوسط ما بعد أمريكا، حيث تلعب القوى العالمية الأخرى، ولا سيما الصين وروسيا، أدوارًا نشطة في عصر متعدد الأقطاب".

وتابعت: "لا تقوم الدول الإقليمية فقط بالتحوط مما تعتبره انخفاضًا في مصلحة الولايات المتحدة في الشؤون الإقليمية. بل أنهم يتحالفون بشكل متزايد مع القوى العالمية الأخرى التي تشترك في العديد من مصالحها والعقلية الاستبدادية".

وأشارت إلى أن علاقات أبو ظبي الوثيقة مع موسكو، وعدم الرغبة في الانضمام إلى العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ضد روسيا، تضع تحالف الإمارات مع روسيا في سياق التطبيع السوري.

وذكرت أن على الرغم من معارضة واشنطن المستمرة لتطبيع سوريا، فإن أقرب شركائها الإقليميين، وحتى تركيا حليفة الناتو، قد أقدموا على تنفيذ خطوات في إشراك "الأسد".

ولفتت إلى أن الاتجاه الآخر الذي ظهر من التطبيع في سوريا هو إضعاف الكتل الإقليمية، التي لم تكن قط متجانسة في البداية.

شكلت الانتفاضات العربية تحالفات جديدة، قسمت المنطقة بين معسكر دعم جماعة "الإخوان المسلمين" والثورات التي اجتاحت الشرق الأوسط في أوائل عام 2010، بقيادة تركيا وقطر، وجماعة عارضت جماعة الإخوان المسلمين ودعمت الثورات المضادة التي سرعان ما أخمدت ظهور الديمقراطية، بقيادة الإمارات والسعودية.

حجج غير واقعية

وأضافت الخبيرة أنه مع حل هذه الانقسامات الآن، يرى البعض ظهور تحالف مناهض لإيران، تقوده الولايات المتحدة ويسهله اندماج إسرائيل المتسارع في المنطقة، والذي تم إضفاء الطابع الرسمي عليه من خلال اتفاقيات إبراهيم.

وتابعت "بالتالي، فإن إحدى الحجج التي تقف وراء تطبيع سوريا هو أنه قد يساعد في إبعاد الأسد عن الفلك الإيراني".

وذكرت "لكن ربما يكون هذا غير واقعي، بالنظر إلى اصطفاف دمشق العميق مع كل من طهران وموسكو، والذي تعززت العلاقات معه نتيجة للحرب في أوكرانيا".

علاوة على ذلك، حتى الدول العربية التي تقود جهود التطبيع مع إسرائيل، مثل الإمارات العربية المتحدة، عملت على تحسين العلاقات مع إيران خلال العام الماضي.

تعزيز الحكم الاستبدادي

وأوضحت "كاي" أن هناك أمر آخر سيترتب على تطبيع العلاقات مع نظام الأسد وهو تعزيز الحكم الاستبدادي في جميع أنحاء المنطقة.

على الرغم من أن الانتفاضة الحالية في إيران تتعارض مع هذا الاتجاه، إلا أن القادة الإقليميين قمعوا إلى حد كبير الانتفاضات العربية ونجوا من الدعوات الدولية للمساءلة.

وبالنسبة للغرب، المنشغل بأوكرانيا ويواجه سوقًا نفطية ضيقة، فإن تأمين إمدادات الطاقة العالمية يمثل أولوية أعلى من مواجهة القمع العابر للحدود أو التراجع الديمقراطي.

القادة الاستبداديون، حتى أولئك الذين اتهموا مثل الأسد بارتكاب أكثر جرائم الحرب فظاعة، يجنون فوائد الغرب المشتت والشرق الأوسط الأكثر ملاءمة من أي وقت مضى للحكم القمعي، على الرغم من الاحتجاجات الحالية في إيران.

لا يزال بإمكان واشنطن المطالبة بالمساءلة عن نظام الأسد نظريًا، حتى مع قبولها بواقع استمرار حكم الأسد عمليًا.

ولكن من دون الإرادة السياسية التي تعطي الأولوية للمساءلة في جميع أنحاء المنطقة، فمن المرجح أن تبدو مثل هذه الإعلانات جوفاء، وأي سياسات تنبثق عنها سيكون من الصعب تنفيذها.

المصدر | داليا داسا كاي/وورلد بولتكس ريفيو- ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

سوريا بشار الأسد تطبيع العلاقات مع سوريا الشرق الأوسط تعزيز الاستبداد بالشرق الأوسط