الخميس 5 يونيو 2014 09:06 ص

عبد العزيز التويجري

في الوقت الذي تدلهم فيه الخطوب، وتتصاعد موجات التطرف وسفك الدماء والتدمير والفوضى والطائفية في مناطق شتـى من العـالم العـربـي، ويـسود الأجواء الكثير من الغموض حول المتغيرات التي تحصل على الأرض، يكون الاهتمام بقضايا التربية والتعليم من الجوانب كافة، خطوة في الاتجاه الصحيح، واختياراً سليماً ينبغي أن يكون له مردودٌ عملي وآثار ملموسة. ذلك أن تجـديـد البناء يبـدأ مـن تجـديـد منظومة التربية والتعليم، على النحو الذي يرتقي بها إلى المستوى الذي يساير التطور في هذا المجال على الصعيد الدولي. فليس ثمة من سبيل للنموّ المتوازن المتكامل في شتى الميادين، سوى سبيل تجديد التربية والتعليم، وتطوير العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وتحديث الثقافة في مفاهيمها العامة والنهوض بها.

من أجل ذلك، كان اجتماع وزراء التربية والتعليم العرب، في مؤتمرهم التاسع يوم 29 أيار (مايو) الماضي، في العاصمة التونسية، لبحث موضوع (الارتقاء بالتعليم الأساسي في الوطن العربي)، مؤشراً مهماً على أن العمل العربي المشترك في هذا المجال الحيويّ، لا تزال فيه بقية من روح، بغض النظر عن مستوى هذا العمل ودرجته، وعن الآثار المترتبة عليه في المديين القريب والمتوسط، لأن الاهتمام بهذه القضية الرئيسَة من قضايا التنمية الشاملة، حتى وإن كانت النتائج التي يسفر عنها مثل هذه الاجتماعات لا ترقى في غالب الأحيان إلى المستوى المطلوب من الفعالية والتأثير، هو أمرٌ لا يخلو من الأهمية في كل الأحوال.

ولا شك في أن الموضوع الرئيس الذي اختير لمؤتمر وزراء التربية والتعليم العرب، هو حجرُ الزاوية للعملية التعليمية بصورة عامة. وهو إلى ذلك، النواة الصلبة للمنظومة التربوية بأبعادها الواسعة وبمفاهيمها العميقة. ذلك أن النهوض بالتعليم في مراحله الأولى، هو ضمان للنجاعة وللفعالية ولجودة التعليم في كل مراحله وبمختلف مستوياته، يترتب عليه تطوير المنظومة التعليمية بتحديثها وتجديد آلياتها ومتطلباتها.

إن الارتقاء بالتعليم الأساسي جزءٌ من عملية متكاملة الأهداف مترابطة الحلقات، لا تنفصل عن الارتقاء بالتعليم في مراحله التي تبدأ من الابتدائي والإعدادي والثانوي، فالتعليم الجامعي، ثم التعليم العالي ما بعد الجامعي. وهو الأمر الذي يؤكد أن الانطلاق من التعليم الأساسي، ينبغي أن يكون قائماً على أسس سليمة ووفق حسابات دقيقة ومن خلال رؤية شمولية، مما يستدعي أن تشارك أطراف عدة في التخطيط لهذه العملية التعليمية البالغة الأهمية.

ولذلك، فإن اختيار هذا الموضوع محوراً رئيساً لمؤتمر وزراء التربية والتعليم العرب، يعبّر عن توجه سليم وفهم صحيح للمعضلات التي يعاني منها قطاع التربية والتعليم في العالم العربي، كما يعاني منها هذا القطاع الحيويّ في العالم الإسلامي بصورة عامة. وهو الأمر الذي يقتضي، وبإلحاح شديد، أن تتضافرَ الجهود على كل المستويات، من أجل تقوية التعاون والشراكة في تعـــزيـــز القدرات لدى الدول الأعــضاء في مجال الارتقاء بالتعليم الأساسي، الذي هو المنطلق نحو تطوير التعليم في كل مراحله، وكسب الرهان فـي ضمان جــودتـه وتفعيل دوره في دعم التنمية الشاملة المستدامة للولوج إلى مجتمع المعرفة الذي يقوم على تكنولوجيا المعلومات وتطوير العلوم والابتكار، وللانتقال إلى المرحـلة الأكثـر تـقـدماً في المجالات كافة.

ولسنا في حاجة إلى التشديد على أن مسؤولية النهوض بالمنظومة التعليمية، هي مسؤولية جماعية مشتركة بين الحكومات، وبين مؤسسات المجتمع المدني، وبين النخب الفكرية والعلمية والثقافية، يتوجب على الجميع أن يقدروها حــقَّ قـدرها، وأن يعملوا جاهدينَ للاضطلاع بها، لأن الجميع أمناء على الأجيال الناشئة، وعلى الأجيال القادمة التي من حقها علينا جميعاً أن نوفر لها المناخ المناسب والتعليم المنفتح وتمكينها من التنشئة القويمة وتحصينها ضد كل أنواع التطرف والانحراف.

إن التقاعس عن الاضطلاع بهذه المسؤولية، هو بكل المقاييس الأخلاقية والسياسية والعملية، انحرافٌ عن السبيل الذي يجب أن تسير فيه الدول العربية لبلوغ الأهداف الإنمائية التي تتطلع إلى تحقيقها.

وليس صحيحاً ولا مجدياً، الفصل بين العمل السياسي والعمل التربوي. ذلك أن السيـــاسة التـــعليمية هــــي الأساس في السياسة العامة للدول. ولذلك، فإن الانشغال بقضايا التربية والتعليم، هو من صميم الاهتمام بالقضايا السياسية ذات الأولوية. ولذلك نقول ونؤكد أن في البدء كان التعليم؛ إذا أفلحت السياسة التعليمية، أثمرت السياسة العامة في كل الميادين، وإذا أخفقت، باءت السياسة بصورة عامة بالفشل.

ومن هنا تتجلى لنا، ومن موقع الرصد للأوضاع التعليمية والعلمية والثقافية من خلال رؤية أكاديمية، الأهمية البالغة التي يكتسيها مؤتمر وزراء التربية والتعليم العرب، في هذه المرحلة الدقيقة التي يجتازها العالم العربي، والتي تتعاظم فيها الحاجة إلى إعادة البناء، وتجديد منظومة التربية والتعليم من أجل التغيير الإيجابي الذي يبني العقول، ويمهد لبناء المستقبل الآمن المزدهر.

 

* أكاديمي سعودي

(المصدر: الحياة، طبعة السعودية)