الثلاثاء 29 مارس 2016 12:03 م

تحرير العلاقة بين المثقف والسلطان بات أمرا ملحا، بعدما لاحت بوادر عدة أشاعت قدرا من الالتباس ينذر بإهدار دور المثقف ومرجعيته الوطنية والتاريخية.

(1)

فى الأخبار أن وزير الثقافة المصرى عقد اجتماعا يوم السبت الماضى (6/3) مع مجموعة من المثقفين والكتاب الذين دعوا للالتقاء مع الرئيس عبدالفتاح السيسى قبل ذلك بأيام قليلة (فى 22/3). وفى الاجتماع الذى استمر ساعتين ناقش المجتمعون القضايا التى أثيرت فى الاجتماع الرئاسى، وتم الاتفاق على تشكيل 3 مجموعات عمل.

واحدة تهتم بقضايا الشباب خاصة المحبوسين منهم. الثانية كلفت ببحث أزمة الإعلام وقضايا الحريات ودراسة مواد القوانين التى تسمح بالعقوبات السالبة للحرية فى قضايا النشر. الثالثة ستتولى بحث قضايا العدالة الاجتماعية مع التركيز على أزمة البطالة فى المجتمع خاصة بين الشباب. ومن المقرر أن تنتهى كل مجموعة إلى تصور خلال أسبوعين يناقش فى اجتماع جديد تمهيدا للعرض على رئيس الجمهورية فى لقاء يعقد بعد شهر. (صحيفة الوطن 27/3).

فى يوم نشر الخبر السابق والأيام التى سبقت ذلك تعددت كتابات بعض المثقفين الذين أشادوا بالاجتماع الرئاسى، فوصفه الأستاذ محمد سلماوى بأنه لقاء «تاريخى فتح الطريق لإحداث نقلة نوعية فى علاقة الثقافة بالسلطة». مضيفا أنه وضع لأول مرة آلية جديدة لتفعيل دور المثقفين وتحويلهم من منظرين قد لا يرتبطون ارتباطا مباشرا بالواقع إلى مشاركين فى بحث المشكلات التى تواجه المجتمع وتقديم الأفكار لمعالجتها. (الأهرام 27/3).

وذكرت الكاتبة سكينة فؤاد فى عدد الأهرام ذاته أن الرئيس عبر فى اللقاء عن اهتمامه العميق بأن يستمع ويلتقى كل فكر ورؤية، وإن الدعوة لم تكن لمجموعة من المثقفين وحدها ولكن لقوى مجتمع بأكمله لوضع خريطة عمل تجسد المشاركة المجتمعية للتصدى لتحديات المستقبل.

(2)

علاقة السلطة بالمثقفين فى مصر مرت بأطوار عدة خلال الستين سنة التى أعقبت ثورة 1952. ففى المرحلة الناصرية كانت احتفالات عيد العلم مناسبة لتكريم المتفوقين من أهل العلم. وفرصة للرئيس عبدالناصر لكى يخاطب المثقفين ولكى يستمع إلى بعضهم. وفى أكثر من مناسبة فإنه عبر عن تقديره الشخصى لعدد منهم مثل الأساتذة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وخالد محمد خالد، أما الرئيس أنور السادات فقد كانت علاقته متوترة معهم.

تجلى ذلك بصورة واضحة فى شهر يناير عام 1973حين وجه إليه المثقفون بيانهم الشهير الذى كتبه الأستاذ توفيق الحكيم ووقع عليه أهم مثقفى تلك المرحلة: نجيب محفوظ والدكتور على الراعى والدكتور لويس عوض وأحمد بهاء الدين وألفريد فرج وثروت أباظة ورجاء النقاش وغيرهم كثيرون.

وفى البيان عبر المثقفون عن قلقهم إزاء الاعتقال إضافة إلى الغليان و«القرف» الذى يستشعره المواطنون فى مصر فى ظل ما سمى بحالة اللاسلم واللاحرب واستمرار الحديث عن «المعركة» دون أن تكون هناك بادرة تنبئ بقرب حدوثها، حتى أصبحت الكلمة أقرب إلى المهزلة، وفقدت قوتها وفاعليتها بل وصدقها. كما دعا البيان إلى إطلاع الناس على الحقائق وإلى إطلاق حرية الرأى والفكر والمناقشة.

أزعج البيان السادات الذى وجد فيه تقريعا له ونقدا لسياسته، فعبر عن غضبه بمنع ستين شخصا بينهم أهم من وقعوا عليه من الكتابة فى الصحف، حتى الأفلام التى كانت مستمدة من قصص الأستاذ نجيب محفوظ منعت من دور العرض. وقبل اغتياله كان غضب السادات قد بلغ ذروته، فأصدر أوامر فى عام 1981باعتقال أكثر من 1500 شخص من معارضى اتفاقيات كامب ديفيد مع الإسرائيليين، وكان من بينهم عدد غير قليل من المثقفين. كما وجه بإقصاء عدد آخر من الصحفيين ونقلهم إلى وظائف حكومية أخرى (كنت واحدا ممن نقلوا إلى مصلحة الاستعلامات).

الموقف اختلف نسبيا فى عهد الرئيس مبارك الذى أطلق سراح معتقلى السادات. ذلك أنه خلال سنوات حكمه الثلاثين اتبع إزاءهم سياسة الإغواء والترويض، وحقق بعض النجاح فى ذلك. لكنه لم يخف ضيقه بآرائهم فى بعض لقاءاته التى كانت تتم فى افتتاح معرض الكتاب. وفى آخر عهده برزت فكرة انتقاء مجموعة من المثقفين المرضى عنهم ودعوتهم للحوار المباشر معه. ونشرت الصحف آنذاك كتابات نفر منهم أشادوا باللقاء واعتبروه نموذجا للحوار بين السياسة والثقافة (الأهرام 2/10/2010).

وقد شارك بعض هؤلاء فى الاجتماع مع الرئيس السيسى ورددوا فيما كتبوه نفس الأفكار والعبارات التى ذكروها فى أعقاب لقائهم مع مبارك.

فى عهد الرئيس السيسى ذهبت الأمور إلى أبعد، ذلك أن لقاءاته مع بعض المثقفين تكررت. فقد اجتمع بمجموعة منهم أثناء ترشحه للرئاسة، ثم التقى بهم مرتين بعد تولى منصبه. وذكرت الأنباء أنه سيلتقى معهم شهريا بعد ذلك، واللقاء الأخير الذى نحن بصدد الحديث عنه ترتبت عليه تكليفات تنفيذية تمثلت فى تشكيل مجموعات العمل التى سبقت الإشارة إليها.

وعهد إليها ببحث بعض القضايا العامة، التى منها ما هو من اختصاص بعض مؤسسات الدولة ومنها ما مكانه المؤسسات المنتخبة مثل مجلس النواب أو نقابة الصحفيين.

(3)

المؤشرات تستحق الرصد، لأن أمورا كثيرة تغيرت خلال الأربعين عاما التى أعقبت صدور بيان المثقفين فى عام 1973. فالإجماع الوطنى الذى كان سائدا آنذاك حل محله الاحتقان والانقسام الذى نشهده فى مصر الآن. وإلى جانب الاختلاف فى قامات المثقفين وأوزانهم، فإن مثقفى بيان 1973 كانوا انتخاب المجتمع ومعبرين عن ضميره.

أما من وصفوا بأنهم مثقفون فى اللقاء الأخير وما سبقه فهم انتقاء إدارات التوجيه المعنوى وأغلبهم من فريق الموالاة للسلطة، الذين ضم إليهم بعض الشخصيات التى تتمتع بالاحترام، والأولون كانوا مبادرين وغاضبين ودعوتهم الأساسية انصبت على ضرورة مصارحة الشعب وإطلاق الحريات العامة. والآخرون كانوا مدعوين وليسوا مبادرين ولم نعرف أنهم انطلقوا من موقع الاحتجاج والغضب.

وقيل لنا أنهم سينتقلون من موقع «التنظير» إلى طور المشاركة فى وضع خريطة عمل تستعين بها السلطة. وبذلك تحول «الاحتجاج» فى خطاب الأولين إلى «احتواء» فى مهمة الآخرين.

إذا صح ذلك التحليل فإنه يثير عديدا من الأسئلة المهمة، التى تعيد إلى الواجهة تعريف المثقف ومعايير شرعيته وطبيعة دوره وحدود علاقته بالسلطة.

بعض هذه الأسئلة تقليدية وحسم أمرها إلى حد كبير منذ عقود. إلا أنه فى أجواء الهرج الثقافى والخواء السياسى الراهنين اختلت المعايير وتداخلت الحدود، حتى صرنا مضطرين للعودة إلى التذكير بالبديهيات وفتح ملفات القضايا التى تم حسمها. فثمة كلام كثير فى تعريف المثقف، الذى وصفه المفكر العراقى هادى العلوى بأنه الذى يتميز بعمق الوعى المعرفى والوعى الاجتماعى. 

وفرق الفيلسوف الإيطالى انطونيو جرامشى بين المثقف العضوى الذى ينشد التغيير من خلال مشاركته فى النضال السياسى والاجتماعى، وبين المثقف النفعى وهو الانتهازى الذى يوظف قدراته ومعارفه لركوب كل موجة، وإدوارد سعيد المثقف الفلسطينى البارز قدم له تعريفا محكما، ترجمه الشاعر مريد البرغوثى استنادا إلى ما أورده الدكتور سعيد فى كتابيه «تمثلات المثقف» و«المثقف والسلطة» إذ عرفه بأنه «ذلك الموهوب الذى يقوم علنا بطرح الأسئلة المحرجة»، ويصعب على الحكومات أو الشركات استقطابه، لأنهم لو تمكنوا من استقطابه فقد المثقف بعده النقدى وخان نصه الإبداعى. كما وجب عليه مواجهة كل أنواع التنميط والجمود.

لأن المثقف عموما لديه الفرصة لأن يكون عكس التيار. فهو الذى يمثل المسكوت عنه وكل أمر مصيره النسيان أو التجاهل والإخفاء. لأن المثقف الحق لا يمثل أحدا، بل يمثل مبادئ كونية مشتركة لا تنازل عنها، فهو يمثل نبض الجماهير، وهو الذى لا يقبل أبدا بأنصاف الحلول أو أنصاف الحقيقة. هو الشخص الذى يواجه القوة بخطاب الحق، ويصر على أن وظيفته هى ان يجبر نفسه ومريديه على الالتزام بالحقيقة.

هو المثقف «المقاوم». الذى يقاوم بفكره ونشاطه هيمنة السلطة السائدة بمختلف أنماطها المادية والاجتماعية والسياسية. التى تحتكر البنية الفوقية للمجتمع والسياسة».

فى التراث الإسلامى إضافة مهمة إلى ما سبق، تشدد على استقلال المثقف وتضع قيودا على علاقته بالسلطة، صحيح أن الذين خاضوا فى الأمر تحدثوا عن ضبط العلاقة بين الفقيه والسلطان، لكننا ينبغى ألا ننسى أن الفقيه كان فى صدارة مثقفى تلك الأزمنة، باعتبار أنه لم يكن عارفا بدينه فقط وإنما بزمانه أيضا، ومن الفقهاء من قاد النضال السياسى ومارس دور المثقف العضوى الذى تحدث عنه جرامشى.

إذ خصص الإمام أبوحامد الغزالى بابا فى كتابه «إحياء علوم الدين» عالج فيه ما يحل وما يحرم من مخالطة السلاطين وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام له ــ وفيه تحذير من تلك المخالطة وكراهة لها، باعتبارها من مواقف الفتن ونقل عن الإمام الأوزاعى قوله «ما من شىء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا»، يقصد حاكما.

كما استشهد بمقولة سحنون «ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسأل عنه فيقال عند الأمير». ومقولة الفضيل «ما ازداد رجل قربا من ذوى سلطان إلا ازداد من الله بعدا».

(4)

أحتفظ بنص مقالة فى الموضوع عنوانها «عن مثقفين ناقدين للمعنى» للكاتب السورى حازم نهار نشرتها صحيفة «الحياة» اللندنية فى 24/12/2014. والعنوان واضح فى إدانة تردد بعض المثقفين أو تواطئهم بعد الثورة مع النظام الحاكم فى دمشق. فى هذا الصدد فإنه استشهد بمسرحية الأديب السورى سعد الله ونوس التى نشرها فى عام 1993تحت عنوان «منمنمات تاريخية».

موضوع المسرحية هو المواجهة التى حدثت عام 1400 بين تيمور لنك الغازى التترى وبين ابن خلدون القاضى والمؤرخ والعالم الاجتماعى المعروف. ذلك ان ابن خلدون بإدراكه لموازين القوى وبعد لقائه مع تيمور لنك رأى أنه لا جدوى من تحدى جبروت الطاغية الغازى، فى حين ان علماء دمشق أفتوا بوجوب الجهاد دفاعا عن الحق مهما كان الثمن.

وأراد سعد الله ونوس بمسرحيته أن يطرح على المشاهدين سؤالا عن رد فعل المثقف على الظلم، هل يجب أن يرفضه ويقاومه أم عليه أن يحسب نتائج رفضه ومقاومته ويجدد موقفه فى ضوئها؟. وخلص الكاتب إلى أن المعرفة تقتضى مسئولية على من يحملها، وأن الحياد فى الثقافة أمام الظلم مرفوض، لأنه ينبغى أن يكون هناك تناسق بين الكلمات ومعناها.

فى ختام مقالته قال حازم نهار إن إدانة ونوس لتهرب ابن خلدون من مسئوليته السياسية تتحدى الجميع. إذ قد يبدو فى كثير من الأحيان أنه لا جدوى من احتجاج أو قول الحقيقة فى مواجهة السلطان، لكن سعد الله يخبرنا بأن المثقفين يستطيعون أن يصنعوا فرقا، وأن إذعانهم للاستبداد أو حياديتهم أو انتهازيتهم ستؤدى إلى الدمار. والرسالة موجهة إلى الجميع للدرس والاعتبار.

المصدر | الشروق المصرية