الأربعاء 13 أبريل 2016 03:04 ص

هل يمكن وصف العراق بـ «الدولة الفاشلة»؟ ام انه بلد يمكن ان يتطور ولكنه يمر بمحنة تواصلت قرابة الاربعين عاما وابتدأت بالحرب مع إيران التي بدأت في العام 1980؟ من المسؤول عن محنة العراق المتواصلة؟ أهو صدام حسين؟ ام المالكي ام العبادي ام الأمريكيون أم حلفاؤهم الاقليميون؟ 

في الشهر الماضي وجه الرئيس الأمريكي، باراك اوباما، انتقادا علنيا لرئيس الوزراء البريطاني، قائلا انه هو الذي شجع على التدخل العسكري في ليبيا، وعندما سقط نظام معمر القذافي، لم يهتم باقامة نظام بديل قادر على مواجهة الصعوبات اللاحقة.

ألا ينطبق هذا النقد على الوضع في العراق وتقصير قوات الاحتلال الانكلو ـ أمريكية التي مكثت قرابة السنوات العشر بعد السقوط؟ من الصعب جدا على الرئيس اوباما ان يتجاهل السياسة التي انتهجها سلفه، جورج بوش، في العراق، وانها مسؤولة بقدر غير قليل عما وصل ذلك البلد اليه اليوم.

ومن مظاهر ذلك الفشل:

أولا تدمير الجيش العراقي وعدم استبداله بمنظومة عسكرية وطنية قادرة على حماية البلاد،

ثانيا: عدم اقامة نظام ديمقراطي حقيقي يقوم على اساس «لكل مواطن صوت»،

ثالثا: فرض نظام المحاصصة التي منعت قيام حكم مركزي قوي يتجاوز خطوط التمايز العرقي والمذهبي،

رابعا: وضع بذور الفساد على يدي الحكام الأمريكيين للعراق، خصوصا بريمر الذي يشار اليه بالبنان عند الحديث عن الاختلاسات المالية والفساد المالي والاداري.

خامسا: ترويج الطائفية وتضخيم الاختلافات المذهبية في بلد تعايش مواطنوه عقودا ضمن الانتماءات الدينية والاطر المذهبية،

سادسا: تركيز الولايات المتحدة على اضعاف العراق كدولة ذات سيادة وقوة عسكرية ونفوذ سياسي اقليمي، خشية ان يؤثر ذلك سلبا على التوازن السياسي والعسكري العربي في مقابل «اسرائيل».

سابعا: ترويج مقولة الفيدرالية لاضعاف السلطة المركزية وتحويل العراق إلى بلد الطوائف والقوميات، وليصبح «ملوك الطوائف» اقوى أثرا من السلطة المركزية.

بعد ذلك ما جدوى الحديث عن قوة رئيس الوزراء هذا ام ذاك ما دام غير قادر على اختيار وزراء حكومته؟

فالوزراء الذين يعينون وفقا لنظام «المحاصصة» ينطلقون في مواقفهم، ليس على اساس العراق ومصلحته وسمعته، بل على اسس الفئة او الحزب او التيار او المذهب الذي ينتمون اليه.

تدريجيا تم تذويب الهوية الوطنية، وتحول البلد إلى ما يسميه العراقيون «فرهود» يحق للافراد والجماعات نهبه بابشع الاشكال.

فهل يعقل ان يكون بلد كالعراق، عاجزا عن صد هجوم تنظيم «داعش» الذي حدث قبل اقل من عامين؟ واذا كان ذلك الهجوم قد تم في غفله من الدهر، لماذا يمنع ابناء العراق، من التصدي لداعش وسواها؟ ولماذا لا تتحرر اية منطقة من سيطرة داعش إلا بقرار أمريكي؟

ما يعيشه العراق اليوم من اضطراب سياسي وامني واقتصادي لا يمكن فصله عما جرى في السنوات الاولى التي اعقبت تدخل التحالف الغربي في ذلك البلد لاسقاط نظام حكمه بدعوى واهية مفادها انه يمتلك اسلحة دمار شامل.

ورغم البحث المتواصل لم تستطع قوات الاحتلال اكتشاف شيء من هذه الاسلحة المزعومة. وبقي العراق، نتيجة تلك التركة الثقيلة، يعيش على الحافة الفاصلة بين البلد المستقر والدولة الفاشلة. وقد فشلت كافة اساليب اخراج هذا البلد من ازمته.

ما السبب؟

أولا: غياب الرغبة الدولية والاقليمية في استقرار ذلك البلد وتقدمه نظرا لقدراته البشرية والمادية،

ثانيا: الابقاء على الازمة ليكون الدعم الأمريكي مطلوبا دائما،

ثالثا: الاحتفاظ بالعراق كمحرقة للعناصر المتطرفة والإرهابية التي يتم تصديرها من البلدان المجاورة وحماية الانظمة منها.

فلا الأمريكيون يرغبون في قيام نظام مركزي متين يستطيع كبح جماح ذوي النزعات الانفصالية او المتطرفة، ولا البلدان الجارة، كل لأسباب خاصة، تريد عراقا يستمد قوته من تماسك شعبه وعدالة نظامه، وممارسته الديمقراطية المتميزة، وشعبه المثقف الذي انجب العلماء في كافة فروع المعرفة والفقهاء الذين اثروا الحضارة الإسلامية وأمدوا مدارسها الفقهية بالقواعد العلمية واصول الفقه.

ويلاحظ ان المشكلة في كل حقبة، وفق ما تروجه وسائل الإعلام الغربية والتابعة لانظمة الاستبداد في المنطقة، تختزل في اكثر الاحيان اما في شخص رئيس الوزراء او في المشكلة المذهبية، ولا يشار للحقائق الاخرى التي تساهم في اضعاف السلطة المركزية.

هذه العوامل ساهمت، وما تزال تساهم، في صعود ظواهر سلبية كالانتهازية والحزبية والطائفية. كما ادت للتنافس بين السياسيين ليس حول حسن الاداء والمساهمة في بناء العراق وشعبه، بل في الاستحواذ على المال العام باساليب مخجلة.

في تقريرها الاخير، صنفت منظمة «الشفافية الدولية» العراق في المرتبة 161 من بين 168 دولة، اي انها في اسفل القائمة، الامر الذي يكشف مدى ما بلغته البلاد من فساد.

هل يمكن اصلاح العراق كما يطرح رئيس الوزراء الحالي، الدكتور حيدر العبادي، وهو من طبقة التكنوقراط، بالاضافة لانتمائه سياسيا لحزب الدعوة الإسلامية.

فحين فاجأ الكثيرين بمشروعه الاخير لاصلاح الوضع بتشكيل حكومة من التكنوقراط، اي خارج اطار المحاصصة السياسية، انقلبت عليه القوى السياسية التي شعرت ان تلك الخطوة ستؤدي إلى تقلص نفوذها وتقوية الحكم المركزي.

تعلم هذه الفئات ان السلطة المركزية القوية ستحجم نفوذها وتحصره بالعمل الحزبي المنفصل في اغلبه عن الحكومة. وأغلب زعماء هذه الفئات ليسوا منتخبين، بل يشغرون مناصبهم لاعتبارات عديدة لا صلة لها بالممارسة الديمقراطية والانتخاب. 

وجاءت محاولة السيد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، مؤخرا لاحداث هزة في المجتمع العراقي، لتدفع ما سمي «مشروع الاصلاح» الذي اعلنه العبادي سابقا استجابة لنداء من المرجع الديني آية الله السيد علي السيستاني، خطوة كبيرة، ولكن حظوظها من النجاح غير متوفرة. فبدلا من التجاوب مع المبادرة اثيرت ضجة سياسية استهدفت شخص رئيس الوزراء وهددت باستبداله.

ومن غرائب الامور التقاء ارادة أمريكا وإيران على رفض ذلك. ولكن هل يمتلك الدكتور العبادي الارادة والشخصية القيادية القادرة على الصمود بوجه عاصفة الاحزاب ضده؟ انه ليس امرا مستحيلا إذا استوعب العبادي حقيقة مهمة، وهي ان بقاءه في المنصب رهن بمشروع اصلاح شامل باهداف عديدة كمحاربة الفساد بشكل حاسم واقتلاعه من قاموس السياسة العراقية، وانهاء نظام المحاصصة، وتقوية السلطة المركزية، واقامة منظومة عسكرية قادرة على تحرير الاراضي الواقعة تحت سيطرة «داعش» والتصدي للإرهاب وبسط نفوذ الدولة على كافة المحافظات. 

مشكلة رئيس الوزراء انه ينتمي لحزب غير منسجم مع نفسه، يخضع هو الآخر لاعتبارات شتى تحول دون توافق رموزه بشأن القضايا الاستراتيجية. واذا اضيف إلى ذلك غياب المشروع لدى اي من المجموعات السياسية الاخرى، اتضح مدى تغول الضعف البنيوي في المنظومة السياسية العراقية. 

المشهد العراقي بعد 13 عاما من اسقاط نظام صدام حسين على ايدي الحلفاء الغربيين، لا يبدو مثار تفاؤل كبير، الامر الذي يعني بقاء هذا البلد العربي الكبير مرتهنا لدى الولايات المتحدة نظرا لغياب التوافق الوطني، واسيرا لدى الفئات السياسية من جهة والمجموعات الإرهابية من جهة اخرى، ومستعصيا على محاولات انهاء الفساد المالي والاداري.

فليس هناك فساد اكبر من نظام المحاصصة على الصعيد السياسي، وتعمق ثقافة الفساد والرشوة في اوساط الحكم، وتقاسم «امراء الطوائف» النفوذ السياسي والمالي. فما عاد مستنكرا ان يطالب زعيم احد الفصائل: ما حصتنا من النفط؟

بدلا من الحرص على تمكين الخزينة المركزية بشكل كامل من العائدات النفطية وحصر بيع تلك السلعة بذوي الاختصاص، مع تقوية مستويات الرقابة والمحاسبة ومكافحة الفساد.

وبالاضافة لذلك اصبحت كافة العقود والمعاملات والصفقات خاضعة لعمولات غير شرعية للمسؤولين. مطلوب انهاء هذا الفصل المأساوي من تاريخ العراق، باعادة صياغة هويته السياسية وشكل نظامه ليصبح بلدا متصالحا مع نفسه، ديمقراطيا، تزدهر فيه الحرية، ويعتمد على ابنائه، بعيدا عن تدخلات الآخرين. انها ليست مسؤولية العبادي وحده، بل ان كافة الفصائل والمرجعيات مطالبة بدور ايجابي للانتقال إلى دولة الحرية والقانون والشراكة السياسية والتعايش السلمي بين كافة المكونات.

بدون ذلك فان العراق مهدد بالفشل الكامل كدولة ونظام سياسي، والتفتيت ككيان واحد يضم مكونات بشرية متعددة الانتماءات العرقية والاديان والمذاهب، وكبلد ذي عراقة موغلة في القدم، ومهد لاول قانون مدني. ان لم يحدث ذلك فالجميع شركاء في مسؤولية الفشل، وليس شخصا بعينه او فئة دون غيرها.

ان ثلاثة عشر عاما بعد التغيير كافية للوصول إلى منظومة سياسية قادرة على اخراج البلاد إلى فضاء الوجود السياسي والاقتصادي والثقافي الفاعل، ليقوم العراق بدوره في المسار الحضاري للامتين العربية والإسلامية.

٭ د. سعيد الشهابي كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن.

المصدر | القدس العربي