الثلاثاء 19 أبريل 2016 02:04 ص

لا تستمعوا إلا لي، لا تتحدثوا فى هذا الأمر بعد الآن، لا تقارنوا بيننا وبينكم؛ ثلاث «لاءات» صدرت خلال الفترة الماضية عن الحكم فى مصر وتقطع بطبيعته السلطوية.

من جهة، جاء الأمر بوجوب تجاهل جميع الأصوات والآراء عدا صوت ورأى رأس السلطة التنفيذية كاشفا لرفض الحكم للتداول الحر للمعلومات إن بشأن حقوق الإنسان والحريات، أو فيما خص القضايا الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

من جهة أخرى، كشف الأمر «لا تستمعوا إلا لى» عن ازدراء الحكم لتنوع الآراء وتعامله مع التنوع كخطر يهدد البلاد وأهلها وتصنيفه لأصحاب الآراء الأخرى كأهل شر يريدون الخراب والدمار.

وعلى قاعدة ازدراء تنوع الآراء يستند ادعاء الحكم فى مصر احتكار الحقيقة المطلقة، واستعداده المستمر لقمع المعارضين لإسكات أصواتهم، ورغبته فى استتباع جميع التنظيمات الوسيطة كالمجتمع المدنى والإعلام المستقل لكونها تقف عائقا دون هيمنة الصوت والرأى الرسميين دون مقاومة.

أما «لا» الثانية:«لا تتحدثوا فى هذا الأمر بعد الآن»، فدللت على نظرة الحكم شديدة البدائية إلى المواطن وحقه فى طلب المعلومة وفى التعبير الحر عن الرأى وفى الاهتمام بالقضايا والأمور العامة. ليس المصرى هنا سوى فرد من «الرعية» يأذن له الحاكم بالحديث عن «الأمر» أو لا يأذن.

ليس المصرى هنا صاحب حق أصيل يتيح له المطالبة بالشفافية فى التعامل مع «أمر» كترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، أو المطالبة بمعرفة التفاصيل الحقيقية لجرائم القتل خارج القانون والاختفاء القسرى والتعذيب داخل أماكن الاحتجاز وغيرها، أو المطالبة بمساءلة ومحاسبة الحكم على إخفاقاته وتجاوزاته.

المصريون هنا ليسوا مواطنين، بل رعايا يتعين عليهم الالتزام بأوامر ونواهى الحكم بشأن القضايا والأمور العامة.

ونتيجة «لا» الثانية هى الإلغاء الفعلى لحق الناس فى الاختيار الحر والتأسيس لدولة الأخ الكبير.

ثم جاءت «لا» الثالثة: «لا تقارنوا بيننا وبينكم»، فى سياق حديث رأس السلطة التنفيذية عن «قراءة» أوروبا للأوضاع المصرية ولحالة حقوق الإنسان بها.

مضمون «لا» الثالثة هو، من جهة، تبرير الخروج على التحول الديمقراطى وجرائم وانتهاكات الحقوق والحريات بين ظهرانينا «كخصوصية مصرية» يعجز الأوروبيون عن إدراكها وينبغى عليهم من ثم الامتناع عن تقييمها وانتقادها.

من جهة أخرى، «لا» الثالثة لها مضمون يرتبط بتجريدنا كمصريات ومصريين نبحث عن الانعتاق من دولة الأخ الكبير، تجريدنا من الأمل فى غد حر وديمقراطى قريب.

بهذه الـ«لا تقارنوا بيننا وبينكم» يحكم إغلاق آخر حلقات السلطوية.

فبعد أن يلزم الناس بالاستماع إلى الصوت والرأى الأوحد لرأس السلطة التنفيذية ويمنعون من الاهتمام بالقضايا والأمور العامة ما لم يؤذن لهم من عل، يعزلون «كرعية بلد له وضع خاص» عن غيرهم من شعوب العالم وتصنع الحواجز الفاصلة بينهم وبين بحث الإنسانية المعاصرة عن العدل والحق والحرية. ولسان حال الحاكم هو رعيتى وأنا فيما أفعله معهم حر.

* د. عمرو حمزاوي أستاذ مساعد العلوم السياسة بجامعة القاهرة والجامعة الأميركية بالقاهرة وعضو سابق في مجلس الشعب. 

المصدر | الشروق المصرية