الجمعة 3 يونيو 2016 11:06 م

بسرعة هائلة، تتراكم السوابق السلبية المتصلة بقضايا الحقوق والحريات فى بر مصر. تتعدد حالات «الوفاة» داخل السجون وأماكن الاحتجاز، توثق المنظمات الحقوقية المستقلة لأسماء تتزايد لضحايا القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية، تستطيل قوائم القابعين وراء الأسوار لأسباب سياسية لتجعل «الحالة المصرية» (عدد الأفراد المسلوبة حريتهم بالنسبة إلى إجمالى عدد السكان) من بين الأكثر سوءا عالميا.

وإلى هذه السوابق الكمية يأتى طيف من السوابق النوعية كعزل المستشار هشام جنينة من منصبه كرئيس للجهاز المركزى للمحاسبات ثم إحالته إلى المحاكمة، والاقتحام الأمنى لنقابة الصحفيين متبوعا بإحالة النقيب وبعض أعضاء مجلس النقابة إلى المحاكمة، والتوسع فى توظيف قرارات المنع من السفر والحجز على الأموال لإنزال العقاب بغير الممتثلين من المواطنات والمواطنين.

هذا التراكم الكمى والنوعى لسوابق انتهاك الحقوق والحريات يعنى:

أولا، الاستحالة الموضوعية لإنكار الظلم والمظالم من قبل الحكم ومؤيديه «بفاعلية» تتماثل مع وضعية صيف 2013 حين تمكنت من أغلبية المصريات والمصريين هيستيريا نزع الإنسانية وعمليات غسل الأدمغة وتزييف الوعى التى أدارتها مؤسسات رسمية وأذرع إعلامية، ودفعتهم إلى هاوية إنكار الظلم والانتهاكات والدفاع عن سجل حكم متورط منذ مجيئه فى استباحة كرامة المواطن.

اليوم، وبعد مضى ثلاثة سنوات على البدايات البائسة، لم يعد يصدر لا عن الحكم ولا عن مؤيديه الكثير مما يفيد إنكار انتهاك الحقوق والحريات. على النقيض من ذلك، تصر المؤسسات الأمنية ومؤسسات أخرى على مواصلة انتهاك الحقوق والحريات دون مبالاة بإنكار، وبلسان حال هو إلى الإفصاح بتعمد إيذاء المعارضين والمختلفين وغير الممتثلين أقرب.

أما جموع المؤيدين فقد استداروا بعيدا عن خانات التبرير، لينفتحوا على ادعاءات متوهمة بشأن «صراعات الأجهزة والأجنحة» وكون الحقوق والحريات تذبح من قبل البعض داخل «بنية الدولة» ويتبناها البعض الآخر. ينفتحون على مثل هذه الادعاءات، بينما الحكم يتصرف وفقا لنص سلطوى وقمعى واضح لا لبس فيه ولا تضارب فى مواقف منفذيه.

* * *

ثانيا، يؤشر التراكم الكمى والنوعى للسوابق السلبية لانتهاك الحقوق والحريات إلى إدراك الحكم لمحدودية فاعلية أدواته غير القمعية، وصعوبة التعويل على حديث «الإنجازات القادمة» بمفرده لإقناع الناس بحتمية تأييد الحاكم والامتناع عن معارضة قراراته وسياساته.

لم يعد الترويج الرسمى «للمشروعات الوطنية ولعوائدها الكبرى» كافيا لكى يتوقف المواطن عن طرح تساؤلات بشأن أسباب التدهور المستمر فى ظروفه المعيشية أو عن الحقائق المتعلقة بمحاربة الفساد والحد من تأثيره السلبى على حياة الناس. لم يعد تغليب قطاعات شعبية ليست بالصغيرة لثقتها فى الحكم على الخوف والقلق من أفعاله كافيا لأن يتجاهل هؤلاء اقتراب المظالم والانتهاكات من دوائر حياتهم اليومية وإفسادها لفرض الصمت دون وخز الضمير أو تمرد العقل.

لم يعد أمام حكم يرى فى إخضاع الناس «ضرورة للاستقرار» وفى تغييب أصوات المعارضين «دفاعا عن الأمن القومى» وفى إنزال العقاب بالمختلفين وغير الممتثلين «ضمانة لإدارة شئون البلاد بكفاءة»، لم يعد أمامه غير الأدوات القمعية التى تستطيع أن تطول الجميع.

ثالثا، يدلل تراكم الانتهاكات على عدم انزعاج الحكم فى مصر من ردود الأفعال الدولية (حكومية وغير حكومية) المحتملة. قد يستند عدم الانزعاج إلى قراءة واقعية لمصالح القوى الغربية التى تعانى الأمرين فى الشرق الأوسط إن من داعش أو من أزمة اللاجئين أو من انهيار الدول والمجتمعات فى العراق وسوريا وليبيا واليمن، ولا تريد لمصر سوى البقاء بعيدة عن الانهيار.

قد ينبنى عدم الانزعاج على اعتراف ضمنى من قبل الحاكم والمؤسسات الرسمية بخطورة التحديات التى تواجهها مصر بسبب الإرهاب فى سيناء ومناطق أخرى وبسبب قسوة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم المطالبة «الفعالة» لحكومات الغرب بالتركيز على دعم الجهود الرسمية المصرية لمحاربة الإرهاب والمساعدة فى احتواء الأزمات التى تحاصر البلاد.

قد يتأسس عدم الانزعاج على إدراك الحكم لمحدودية دور المنظمات غير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان النشطة فى الغرب فيما خص صياغة السياسات المتعلقة بمصر فى لحظة داخلية تبدو بها السلطوية دون بديل والديمقراطية دون طاقات للتغيير، وفى لحظة إقليمية بها عديد الكوارث الأخرى التى تتجاوز المظالم والانتهاكات التى تسببها على هوامش الدماء والدمار مجمل ما يحدث فى مصر، وفى لحظة غربية بها صعود للفاشية غير المكترثة بالحقوق والحريات إلا داخل الغرب.

لكل ذلك لا يتردد الحكم فى تعميم توظيف الأدوات القمعية وصناعة الخوف غير مبالى بردود الأفعال المحتملة من غرب يبحث أيضا عن حماية مصالحه الاقتصادية والتجارية مع مصر.

* * *

رابعا وأخيرا، ليس للتراكم الكمى والنوعى لسوابق المظالم والانتهاكات التى يتورط بها الحكم من عنوان عريض سوى «لم تتعلم السلطوية الجديدة فى مصر لا من عبر سقوط سابقتها ولا من دروس انهيار الحكومات المستبدة فى عالمنا المعاصر»، والعبر والدروس هذه لا تستعصى على الاستخلاص.

يستحيل إنكار الانتهاكات إلى ما لا نهاية، يستحيل تزييف وعى الناس بحديث إنجازات أو مقولات تآمر إلى ما لا نهاية، تستحيل ممارسة القمع وصناعة الخوف إلى ما لا نهاية، يستحيل تصور إيجابية نظرة الغرب والأطراف الخارجية الأخرى إلى حكم يرتكب مظالم وانتهاكات غير مسبوقة إلى ما لا نهاية. 

* د. عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسة بجامعة القاهرة والجامعة الأميركية وعضو مجلس الشعب سابقا.