الأربعاء 17 أغسطس 2016 08:08 ص

مثل معظم القوى العظمى في العالم، فإن الصين في طريقها لوضع أقدامها أكثر داخل الشرق الأوسط. وجدت الصين في الشرق الأوسط فرصة جيدة لمصالحها في بناء علاقات اقتصادية أكثر قوة من جيرانها في شرق آسيا. ولاقت الصين ترحيبا بها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحازت تشجيعًا لوضع بصمتها وخصوصًا في قطاعات التطوير والطاقة.

وتبقى فقط مشكلة الاضطرابات والشغب الذي يضرب المنطقة عائقًا أمام مصالح الصين في أغلب القطاعات، وحاولت الصين الدفع بفكرة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد ذات السيادة، لكنه أصبح من الصعب الترويج لهذه الفكرة، حيث إن بعض الممارسات الصينية قد جعلتها شريكة عند البعض للأنظمة المغضوب عليها، كما تواجهها المشكلة الأكبر وهي التورط في الحرب بالوكالة بين السعودية وإيران.

الصين في غرب آسيا

لقد كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو ما تسميها الصين غرب آسيا، منطقةً حيويةً لبكين لعقودٍ عديدة. يحتاج الاقتصاد الصيني من أجل الازدهار إلى إمدادات دائمة من الوقود ومصادر الطاقة. وكانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة خصبة لهذا الغرض من أجل الحصول على الإمدادات اللازمة من الوقود الأحفوري.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ التوترات المتصاعدة بين الصين وجيرانها في شرق آسيا قد شجعت الدولة الصينية على وضع تصور لحجم الفرص الجديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقد وعدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بفرصٍ أكثر من منافساتها. وكانت تلك المنطقة الغنية بالموارد قد سعت بالفعل نحو إقامة علاقات اقتصادية ودبلوماسية في شرق آسيا. واستطاعت الصين بالفعل خلق مكان لها في ليبيا والعراق وإيران والسعودية والإمارات و(إسرائيل) وتركيا من بين آخرين. ومثلت السعودية وإيران قيمة كبرى بين الجميع، نظرا لكونهما نظامين مستقرين في منطقة مضطربة يقدمان مصدرًا للثروة الطبيعية ويمكنهما توفير احتياجات الصين الاستراتيجية والاقتصادية.

وتعتمد مصالح الصين في المنطقة على إمكانية تنفيذ مبادرتها، «حزام واحد، طريق واحد»، وهي المبادرة التي تهدف بها إلى ربط أوروبا بالصين عن طريق بناء إنشاءات في الاتصالات والبنية التحتية وشبكات النقل. وتعتمد استراتيجية تلك المبادرة على مسارين، الأول بحري عن طريق المحيط الهندي، والآخر قاري عبر منتصف آسيا والشرق الأوسط.

وبالنسبة إلى الصين، فإن تلك المبادرة تعدّ وسيلة لتوسيع التجارة والحصول على الموارد الطبيعية بشكل أسهل، ولتعزيز مكانة الصين الإقليمية، ولتقوية فرص المحافظات الغارقة في التخلف غرب الصين. وما يهدد المبادرة هو أنه لا يمكن المخاطرة بهذه النفقات الهائلة في أراضٍ غير مستقرة، والأهم هو القدرة على الحفاظ على الاستثمارات ضد الخسائر المحتملة.

مشكلة الخليج

تتجلى المخاطر التي تواجه الصين مع زيادة المشاركة داخل الدول الأجنبية، بالنظر إلى موقفها الحالي في الخليج. لعقود، كانت الصين تبتعد عن التورط السياسي وخاصة بين إيران والسعودية، بتحديد موقعها في مكان لا يعادي أحدًا وبوصفها صديق للجميع.

واليوم تجد الصين نفسها في موقع مختلف في الخليج. فالصين تظل هي المستهلك الأكبر للبترول السعودي مع العديد من الاتفاقات الثنائية بين البلدين. ومع إيران، فإن دعم الصين القوي للاتفاق النووي ساعد في نجاح المحادثات. ومنذ ذلك الوقت، سعت الصين لتعزيز تواجدها في أغلب قطاعات الاقتصاد الإيراني.

وبسبب التغيرات الطارئة على الاقتصاد الصيني، ومع مبادرتها الطريق الواحد، زاد تدخل الصين بصورة ملحوظة في شؤون الشرق الأوسط، وزادت حجم مصالح الصين في المنطقة. وكشفت الصين عن أن مصلحتها السياسية داخل الشرق الأوسط تكمن في استقراره. ولكن اهتمام بكين المكثف بالمنطقة لم يظهر إلا كمواكبة لثورات الربيع العربي وما تبعه من أحداث. وقد تأثرت الصين كثيرًا بعدم الاستقرار في المنطقة، لذا فإنها الآن تدعم بشدة الأنظمة المستقرة لتعزيز الاستقرار.

بين المطرقة والسندان

السعودية وإيران تشكلان أهمية لا غنى عنها للصين الآن أكثر من أي وقت مضى. ولسوء حظ الصين، فإن هذه الأهمية تأتي في الوقت الذي تتنافس فيه السعودية وإيران عن طريق حرب بالوكالة في سوريا والعراق واليمن ومناطق أخرى. وهنا لا تستطيع الصين لعب دور الصديق للجميع من جديد. فاختيار الصين لدعم نظام «الأسد» الذي يشكل لديها فرصة أكبر للاستقرار في سوريا من أجل مصالحها، جعلها تقف في صف إيران وضد السعودية.

وبالرجوع إلى مبادرة حزام الصين، فإن إيران قد ظهرت كخيار أول للطريق القاري للمبادرة أكثر من أي بلدٍ آخر. وكانت الصين قد أعلنت أن المبادرة ستعود بالخير على جميع دول المنطقة، إلا أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها. فمن أجل إتمام المشروع، فإنّ شبكة السكك الحديدية وأنظمة الاتصالات ومرافق الموانئ والكباري ومشاريع اقتصادية أخرى يجب أن يتم إنشاؤها في إيران. وبالطبع، فإن مثل تلك الاستثمارات تعزز من قدرة الاقتصاد الإيراني وتجعله أقوى في منافسه في السعودية.

تعي بكين جيدًا صعوبة موقفها في الخليج. خلال زيارة للرئيس «شي جين بينغ» في يناير/ كانون الثاني هذا العام إلى الشرق الأوسط، تعمد زيارة كل من الرياض وطهران حتى يؤكد أنه لا يفضل طرفًا عن الآخر. ولكن نية الصين دعم إيران على حساب السعودية أصبحت واضحة للسعودية ولشركائها في مجلس التعاون الخليجي.

هل تؤدي أفعال الصين لانهيار العلاقات الصينية السعودية بشكل تام؟ الجواب هو لا، ولكن انطباع أن الصين لن تدعم السعودية بالشكل الكافي لموازنة نفوذ إيران، يجعل من الصعب أن تعتمد السعودية على الصين على المدى الطويل. وبالمثل، يمكن أن يسيء الإيرانيون فهم دعم الصين لهم على أنه دافع لأهداف أخرى تخص طموحاتهم الإقليمية.

وصل نطاق تورط الصين في الشرق الأوسط إلى حجم يجعل من الطبيعي للصين أن تبدأ بالبحث عن تطوير بعض الصداقات الرئيسية مع دول المنطقة. وتحاول الصين حتى الآن تجنب ذلك. ويعتقد قادة الصين أنه مازال بالإمكان تجنب التورط في السياسة بدون أضرار جانبية. ولكن ربما تتظاهر الصين اليوم بعدم رؤيتها للأزمات السياسية في الشرق الأوسط، ولكن قريبًا في يومٍ ما، لن يعود هذا الخيار في متناولها.