الاثنين 10 أكتوبر 2016 12:10 م

تعتمد اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على مداخيل النفط والغاز، في تجسيدٍ للنموذج الريعي، حيث تقوم الدولة بعملية توزيع الريع على المواطنين، من الإنفاق الحكومي الذي يُخَصَّصُ جزءٌ منه لرواتب موظفي القطاع العام، فيما يتعلق الجزء الآخر بمشاريع البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية المُقَدَّمة للمواطنين، مثل التعليم والصحة.

يعتمد القطاع الخاص أيضاً على الإنفاق الحكومي بشكلٍ أساسي، وعلى الأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة، وتتركّز نشاطاته على مجال المقاولات، واستيراد المنتجات الأجنبية وبيعها عبر نظام الوكالة التجارية. يعتمد نمط الاقتصاد هذا، في مدّه وجزره، على تقلبات أسعار النفط. لذلك، استمرت النداءات بتنويع مصادر الدخل، بدلاً من الاعتماد على النفط وحده.

عند الحديث عن تنويع مصادر الدخل، وتقليص الاعتماد على النفط، يبرز نموذج دبي، بوصفه المثل الأعلى لاقتصادات الخليج. تمكّنت دبي من إيجاد مصادر دخل جديدة، وبات غالب الناتج المحلي الإجمالي يتكون من إسهام قطاعاتٍ غير نفطية، مع تحول الإمارة إلى مركز مالي وسياحي عالمي. هذا النموذج الذي يمتاز بجاذبية صورته، بما تشمله من ناطحات سحابٍ شاهقة، ومجمعاتٍ تجارية ضخمة، ووسائل ترفيه متعددة، وبنية تحتية متماسكة، يغري الخليجيين بتقليده.

وهو ما تفعله مثلاً قطر والبحرين، إذ تعملان على التحوّل إلى مراكز مالية وسياحية، فيما تتطلع شرائح شعبية واسعة في السعودية والكويت إلى استنساخ النموذج بشكلٍ ما، وتقوم خطط التنويع الاقتصادي الجديدة في الخليج على الاقتداء به.

لكن هذا النموذج، الناجح في التحوّل إلى اقتصادٍ لا يعتمد على النفط، ما زال يدور في دائرة الريع، فهو لم يتحوّل حالة إنتاجية، وإنما عمل على إيجاد ريوع جديدة في قطاعاتٍ غير نفطية، مثل العقار والسياحة والمناطق الحرة، مع توزيعٍ أكثر فاعلية للريع من بلدان الخليج الأخرى، ولا بد من الأخذ بالاعتبار ميزة ضخامة الموارد في دبي، مع وجود تعداد سكاني صغير.

نجحت دبي في الخروج عن سطوة النفط، الحاكم لاقتصادات الخليج، لكن عيوب النفط المتصلة بعدم الاستدامة والتذبذب تنطبق على القطاعات التي تدر الأرباح على دبي، فقطاعات السياحة والعقار لا تنجز تنمية مستدامة، وهي معرّضة للانهيار في حال حدوث أي اهتزاز، أو تصاعد المخاوف، بما يوقف تدفق السياح والأموال والاستثمارات الخارجية إلى دبي، وتسهم هذه الأموال والاستثمارات الخارجية الإسهام الأساسي في طفرة العقار هناك، وكذلك في تعدّد الأنشطة السياحية.

فتحت دبي الباب على مصراعيه للاستثمار الأجنبي، وللأيدي العاملة الأجنبية، من أجل العمل في المشاريع القائمة فيها. وتنقل هذه العمالة الأجنبية جزءاً من الأموال المفترض تدويرها في البلاد إلى الخارج، إضافة إلى أنها غيّرت التركيبة السكانية للإمارة، وبات المواطنون أقليةً تراجعت نسبتها من إجمالي السكان، مع استمرار تدفق الأجانب إلى أقل من 5%‏.

ينطوي نهج تحويل الدول إلى شركات تستقطب عمالة رخيصة على إشكالاتٍ عديدة، أهمها عملية التغيير الديموغرافي، وما يترتب عليها من آثار، وارتباط الاقتصاد بشكل شبه كامل بالتقلبات في أسواق المال العالمية، وهو ما تبيّن في تأثر نموذج دبي بالأزمة المالية العالمية عام 2008، إضافة إلى أن المواطنين لا يساهمون مساهمةً حقيقيةً في الاقتصاد، حيث يعتمد القطاع الخاص على الأجانب، في غياب التأهيل والتدريب الكافي للمواطنين.

بمعنى آخر، لا يركز هذا النمط من التنمية على تطوير رأس المال البشري، بل يجتهد في تحصيل أرباح سريعة، يمكن أن تتلاشى مع غياب الاستثمارات الأجنبية أو تقلصها، إذ إنه تحت رحمة هذه الاستثمارات.

مع الريعية السائدة في نموذج دبي، تظهر إشكالات الحالة الريعية كما في النماذج الأخرى، مثل غياب الإنتاجية عند المواطنين، والمبالغة في الاستهلاك. كذلك، لا يتطوّر القطاع الخاص المحلي، وهو أسير المعادلات الريعية نفسها، والمجالات نفسها، كما أنه يتضاءل بفعل فتح الأسواق بالكامل للمستثمر الأجنبي. يمكن أن يكون التوزيع الفعال للريع جذاباً ظاهرياً، لكنه يخفي هياكل اقتصادية هشّة، ينتقل من الاعتماد على النفط إلى الالتحاق بالأسواق الخارجية، والتعرّض لمخاطر اهتزازاتها وتقلباتها الكبيرة والعديدة.

يغيب في خطط التنويع الخليجية التركيز على تنمية رأس المال البشري، وتوطين التكنولوجيا، والتحول صوب اقتصادٍ إنتاجي، وتكوين قاعدةٍ صناعيةٍ صلبة، بديلاً عن الاعتماد على ريوع متذبذبة. ويركز التنويع على قطاعاتٍ مثل السياحة والعقار، أو استثمار الاحتياطات المالية في الخارج، وربما تطوير بعض الصناعات المرتبطة بالنفط، أو البحث عن مواد خام أخرى، يمكن بيعها والاستفادة من ريعها، مثل المعادن، إضافة إلى اللجوء إلى فرض "ضرائب خفية" على المواطنين، عبر الرسوم على الخدمات، وعلى السلع الكمالية، بشكلٍ لا يميّز بين أصحاب الدخول المرتفعة ومتوسطي أو محدودي الدخل.

في هذا كله، لا تتخلى الدولة في الخليج عن الحالة الريعية، بل تبحث عن تنويع مصادرها، وتطبيق وصفاتٍ نيوليبرالية، تربط اقتصادات هذه المنطقة أكثر بالاقتصاد العالمي، وتفتح أسواقها بشكل أكبر للشركات الكبرى.

يمكن لقطاع السياحة أو العقار أن يوفر دخلاً جيداً، لكن المشكلة في اعتباره رأس حربة الاقتصاد الوطني، وهي المشكلة نفسها المتعلقة بالاعتماد على النفط، إذ يصنع التنويع على طريقة دبي صورةً جميلةً وجذابة، لكنه لا يتجاوز نمط الريع، ولا يؤسّس لاقتصاد متين، ولا يساعد الدولة في القيام بمسؤوليتها تجاه المواطنين، وهي تأهيلهم للمساهمة الفاعلة في الاقتصاد، لا مجرد البحث عن مراكمة أرباح ومداخيل، على طريقة الشركات.

* كاتب سعودي. صدر له كتاب "حديث الممانعة والحرية"، و"الحراك الشيعي في السعودية .. تسييس المذهب ومذهبة السياسة".