الأربعاء 9 نوفمبر 2016 01:11 ص

لم يكن أمام البنك المركزي في مصر أي خيار سوى اتخاذ قرار بتحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأخرى، أو قرار بخفض سعره طوعياً مع بقاء السوق السوداء وعدم القدرة على تأمين العملة الصعبة المطلوبة، ولذلك تم اتخاذ قرار التعويم، أو التحرير الكامل، إضافة الى رفع أسعار الفائدة بنسبة قياسية، في محاولة لدفع الناس للإحجام عن التخلص من الجنيه الذي يحملونه.

بتحرير الجنيه هوى سعر صرفه الرسمي من 8.8 لكل دولار أمريكي إلى 16 جنيها أو 17 جنيها مقابل كل دولار، علماً بأن التوقعات كانت تتحدث عن أن الدولار سيصبح بين 20 و22 جنيهاً، لكن البنك المركزي ضخ في الأسواق يوم الخميس الماضي، أي يوم التحرير، 100 مليون دولار لتغطية الطلب، وباع هذه الدولارات للبنوك بسعر 13 جنيهاً لكل دولار، وطلب من البنوك تحقيق أرباح لا تزيد عن 10%، أي أن البنك المركزي قام في النهاية بعملية مضاربية في السوق لضمان عدم انهيار الجنيه في يومه الأول من التعويم، أو بمعنى آخر لتأجيل الانهيار المقبل في سعر الصرف.

أمام تدهور سعر الصرف رفع المركزي المصري أيضاً أسعار الفائدة على الجنيه بواقع 3% لتصل إلى 15%، أي أن الفائدة على الجنيه أصبحت أكثر من 20 ضعف الفائدة على الدولار الأمريكي، وهذه لعبت دوراً أيضاً في عدم انهيار سعر الصرف بصورة حادة ومفاجئة فور اتخاذ قرار التعويم، لكن سعر الفائدة المرتفع لا يعني بطبيعة الحال شيئاً لأن الجنيه المصري فقد أكثر من 50% من قيمته خلال عام واحد، بينما الفائدة عليه أقل بكثير من ذلك، أي أن المعادلة بصورة أبسط هي أن المركزي أخذ 50% من مدخرات المواطنين وعوضهم عنها بنسبة 3% (الفائدة الإضافية) وتستحق الدفع بعد عام من الآن.

ليس مهماً جداً تفسير مضمون قرار التعويم ورفع أسعار الفائدة، لأنه أصبح واقعاً وبات بمقدور الناس أن يفهموه بحكم المشاهدة والمعايشة، لكنَّ الأمر الأهم هو الإجابة على سؤال ما بعد التعويم، وبمعنى آخر سؤال: ما هي أزمات ما بعد تعويم الجنيه؟ وما هي الانعكاسات على «الغلابة» في مصر؟ 

تحرير الجنيه المصري يؤدي بالضرورة إلى استمرار الهبوط في سعر الصرف مستقبلاً، وذلك بسبب أن الاحتياطات النقدية من العملة الأجنبية أصبحت في أدنى مستوياتها منذ عدة عقود، إضافة الى أن المديونية في أعلى المستويات من سنوات طويلة، في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب على العملة الصعبة بسبب الخلل في الميزان التجاري، وكل هذا معناه أن الجنيه ماضٍ نحو مزيد من الهبوط لا محالة، أما سبب عدم انهياره الفوري يوم التعويم، فهو ضخ البنك المركزي سيولة نقدية استثنائية في السوق بالدولار الأمريكي، وهذه حالة عابرة وليست مستمرة، كما أن قرض صندوق النقد الدولي لو تم إنجازه سريعاً فقد يؤدي هو الآخر إلى تأخير الانهيار، إلا أن تأجيل الهبوط لا يعني مطلقاً أنه لن يحدث. بهبوط سعر صرف الجنيه، ورفع الدعم عن المحروقات فإن المصريين أمام ارتفاع جنوني مقبل في الأسعار، سيصل في بعض السلع إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف، إضافة الى أن العملة المحلية ستفقد قدرتها الشرائية، وسترتفع نسب التضخم ونسب البطالة وسيدخل الاقتصاد المصري (ثاني أكبر اقتصاد عربي) في مرحلة جديدة من الأزمات.

خلاصة القول، هو أن البنك المركزي والسلطات المالية والنقدية في مصر تهرب إلى الأمام، ولم تتخذ حتى الآن الإجراءات اللازمة للعلاج الحاسم، لأنها إجراءات ترتبط بالسياسة والجيش وبارونات الفساد، ولذلك فإنهم يحقنون الاقتصاد بإبر التخدير وليس إبر العلاج، حيث كان الاقتصاد في مصر يعيش طوال الأعوام الثلاثة الماضية على المعونات الخليجية، بما فيها ودائع دولارية واجبة السداد مع فوائدها، والآن سينتقل الاقتصاد للعيش في السنوات الثلاث المقبلة على ظهر قرض صندوق النقد الدولي، وهو أيضاً قرض واجب السداد مع فوائده، ولو بعد حين.

المصدر | القدس العربي