«فورين أفيرز»: ملامح مقترحة لسياسة الإدارة الأمريكية القادمة تجاه إيران

الأحد 13 نوفمبر 2016 07:11 ص

تتناول بعض الأفكار الكيفية التي ينبغي أن تتعامل الإدارة الأمريكية القادمة من خلالها مع إيران، وترى هذه الأفكار أن الإدارة ينبغي أن تكون أكثر صرامة وأكثر عدوانية في مواجهة إيران. ولابد أن تكون شديدة في الوقوف أمام نظام الملالي، ومنع الشهوات التوسعية الصاعدة لإيران من الهيمنة على المنطقة.

هذا النهج من استعراض العضلات، في حال القيام به بطريقة غير محسوبة، ليس حكيما. ليس من الضروري العمل على المبالغة في القوة الإيرانية وتضخيم قدرة الولايات المتحدة على وقفها. بدلا من ذلك، يجب على واشنطن التركيز على احتواء إيران حيث أنها تهدد مصالح الولايات المتحدة الحيوية والتعاون مع طهران حيث يمكن أن تخدم تلك المصالح.

 إن الجمهورية الإسلامية نظام مسيء لحقوق الإنسان في الداخل ومروج لسياسات على خلاف مع العديد من مصالح الولايات المتحدة ومصالح شركائها وحلفائها. وسيكون من التهور أن نستنتج أن الاتفاق النووي مع إيران سيكون الأخير من أن أجل نرى العالم خاليا من الأسلحة النووية.

إن خلق بعبع الشرق الأوسط الجديد وتخويف أنفسنا هو أمر لا معنى له. وقد هدد «دونالد ترامب» بإلغاء أو إعادة التفاوض على الاتفاق النووي ويبدو أن المستشارين عازمين على الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة دون تحديد الكيفية التي سوف نفعل بها ذلك، أو ماذا قد تكون العواقب.

ونظرا لعدم رضا الجميع في الكونغرس عن الاتفاق والمخاوف التي كانت لدى إدارة الرئيس «باراك أوباما» والإذعان في وجه التوسع الإيراني النووي برز موقف افتراضي طائش: ضرورة المواجهة مع طهران دون التفكير بالنتائج المترتبة على مثل هذه السياسة. المشكلة في كل هذا هو حقيقة غير مريحة سياسيا وهي أن النظام الإيراني بالإضافة إلى (إسرائيل) وربما تركيا هو أحد أنظمة الحكم الثلاثة غير العربية الأكثر كفاءة، في منطقة تمزقها الصراعات وعدم الاستقرار، وهي قوة صاعدة من غير السهل جدا الدفع ضدها أو تجاهلها.

حدود التراجع

هذه الحقيقة تبدو واضحة بشكل مؤلم عندما يتم مسح الخيارات المحدودة المتاحة لدحر النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث توجد لدى طهران العديد من المزايا الجغرافية والديموغرافية والسياسية العليا. في اليمن، استغلت إيران ما هو في جوهره صراع على السلطة المحلية بين قوات المتمردين الحوثيين، التي تدعمها، والحكومة المعترف بها دوليا.

ومع استثمار منخفضة التكلفة في المجموعة اليمنية، نجحت إيران في تعظيم عائداتها عبر توسيع نطاق عملها في الفناء الخلفي للمملكة العربية السعودية. وقد استغلت إيران مع حملة القصف السعودية المخطئة وغير الفعالة في اليمن والتي أودت بحياة الآلاف من المدنيين، من أجل مواصلة تعزيز الحوثيين. ما على واشنطن القيام به في اليمن تحديدا هو موضع شك كبير. دعمت واشنطن الحملة الجوية السعودية، وقد تأثرت بالفعل صورة الولايات المتحدة. وقد قامت القوات البحرية الأمريكية باعتراض السفن التي تقوم بتهريب أسلحة إلى اليمن. لكن مواجهة إيران في اليمن، كما فعل البعض، من خلال الصعود والاستيلاء على سفن البحرية الإيرانية التي تحمل أسلحة إلى اليمن (بلد يحمل بالفعل رقم مميز في نسبة الأسلحة للفرد في العالم) لا يبدو من الحكمة أو الفاعلية في شيء.

في سوريا والعراق تقف واشنطن قبالة إيران التي لديها المزيد من الأصول، والتأثير، والرغبة في حماية مصالحها. هذه المجالات هي حيوية لطهران لضمان عدم تطويقها والحفاظ على طريقها نحو لبنان معبدا.

 تسببت أخطاء الإدارة الأمريكية في جعل واشنطن أكثر اصطفافا مع المصالح الروسية في المنطقة. محاولة دحر النفوذ الإيراني في العراق أو سوريا من خلال حرب بالوكالة هو تفكير ساذج. وطالما واصلت واشنطن الاعتقاد بأن الاتفاق النووي مع إيران في مصلحتها، سوف تكون هذه الأفكار مقيدة عن القيام بمثل هذه الحرب.

حدود القوة الإيرانية

يجب على أي حكومة جديدة أن تستجيب من خلال استناد سياستها على التشخيص الصحيح للمشكلة. إيران قوة كبرى في المنطقة وتأثيرها سيكون من الصعب أن يتم احتواؤه، وقد كان لإيران نفوذ كبير في لبنان وسوريا والعراق لسنوات ومؤخرا اكتسبت نفوذا في اليمن. على الرغم من قلق للسعوديين، فإن الأمر لا يمثل أكثر من مصدر إزعاج ولكنه لا يرقى إلى مرتبة التهديد الاستراتيجي للمصالح الأمريكية.

فكرة أن إيران، بغض النظر عن أصولها، يمكنها تأسيس هيمنتها على المنطقة التي هي في الغالب عربية و سنية معادية لها، يتطلب قفزة من الخيال. على الرغم من الصراعات الطائفية والعرقية والقبلية التي تستحوذ على عناوين الصحف، يجب ألا يقلل أحد من قوة استمرار القومية العربية وهي ظاهرة نشهدها حتى في العراق، حيث توسع النفوذ الإيراني عبر الميليشيات الشيعية، حيث بدأت الحكومة تواجه رد فعل سلبي خطير من الزعماء الشيعة داخل وخارج الحكومة العراقية.

الكثير من الكلام القطعي عن إيران التي نسمعه في الولايات المتحدة يحجب حقيقة أن هذه المبالغات تتجاوز قدرة إيران على الهيمنة الإقليمية. وقد حصل خلل هائل في قدراتها العسكرية التقليدية على مر السنين بسبب الإهمال والعقوبات والقيود المفروضة على الموارد. لا تشكل إيران أي تهديد حقيقي لغزو بري ضد أي دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي. صحيح أن عملية إلغاء العقوبات، وهي جزئية فقط حتى الآن، ستحرر الأصول لزيادة الإنفاق على الدفاع، ولكن إيران لديها احتياجات مدنية واسعة النطاق من شأنها أن تمتص معظم الدولارات. ومع ذلك، فإن نقص الموارد سوف يعيق أنشطة إيران لزعزعة الاستقرار في المنطقة. ويمكنها أن تقوم بإغلاق مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لصادرات النفط العالمية، لفترة قصيرة من الزمن. لكن ما لم تكن تتعرض لتهديد وجودي، فإنه لا يوجد لديها حافز لتعطيل التجارة النفطية الخاصة بها.

على جانب آخر، فإن الإيرانيين لديهم قدرات غير متماثلة قوية لن يترددوا في استخدامها. ولكن قد يكون هناك حد للمدى الذي ستذهب له طهران أيضا، فالبنية التحتية والمرافق الحيوية، البحرية والبرية، هي عرضة للهجمات الصاروخية، وأيضا الهجمات السيبرانية، والطائرات بدون طيار. قوض الدعم الإيراني للسياسات الإجرامية لنظام «بشار الأسد» مصداقيته بين العرب السنة. على الرغم من أن طهران تتمتع بنفوذ هائل بين الدوائر الشيعية الرئيسية في العراق، وتتمسك بدعم النظامين في سوريا والعراق إلا أن لها انتشارا ضعيفا للغاية في البلدين بسبب استمرار الصراع منذ عدة سنوات.

لا يتردد جيران إيران في مواجهة أنشطتها التي يعتبرونها مزعزعة للاستقرار. وقد نجحت طهران في قطف أكثر من ثمرة في المنطقة، مثل دعم الحوثيين وتوسيع نفوذها بين الشيعة في العراق ردا على المخاوف إزاء صعود الدولة الإسلامية. من الممكن أن النفوذ الإيراني في المنطقة قد وصل ذروته. وعلى حد تعبير الصحفي «هنري لويس منكن»، فإن إيران بمفردها أضعف من أن تجاوز حدودها، وهي تعاني جروحا ذاتية سوف يكون لها تأثير على الحد من نفوذها.

الاحتواء عند الضرورة والاتفاق حيثما أمكن التعاون

تحتاج الإدارة القادمة إلى تبني استراتيجية محسوبة وحكيمة لاحتواء إيران تعكس فهما سليما للتحدي الإيراني، ورؤية واضحة للثمن الذي يمكن أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لدفعها لتحقيق أهداف واقعية. إيران ليست دولة صغيرة. إن السياسة الحكيمة والواقعية هي الامتناع عن مغامرات معادية ضد إيران في المنطقة عندما لا تقوم طهران بإضرار مصالح الولايات المتحدة الأساسية. كما يجب أن تتعاون مع طهران فيما يخص المصالح المتبادلة، مثل مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في العراق، والحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني طالما بقيت طهران ممتثلة. مع التأكيد على الدعم الفعال من واشنطن لجدول أعمال حلفائها (مثل المملكة العربية السعودية في اليمن) إذا تم الإضرار بمصالح الولايات المتحدة.

لكن إيران تتطلب أيضا نهجا فعال لاحتوائها عندما تمثل طموحاتها تهديدا للمصالح الأمريكية الحيوية. قبل كل شيء، وهذا يعني الدفاع عن الحلفاء والشركاء عندما تهدد إيران سلامة أراضيهم واستقلالهم من خلال هجوم عسكري إيراني، وذلك باستخدام القوة ضد الجهود الإيرانية لعرقلة حركة المرور البحري في الخليج، والتعامل مع الإرهاب الإيراني أو الذي ترعاه إيران ضد المنشآت الأمريكية والعسكريين والمدنيين، واستخدام القوة لمنع طهران من الخروج من الاتفاق النووي أو أي انتهاك لالتزاماته. والحفاظ على نظام عقوبات صارم يكون أداة لا غنى عنها في استكمال سياسة ذات مصداقية للاحتواء.

لم يعد يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل مع التهديد الإيراني على أنه ضجيج تافه. كما لا يمكن لواشنطن أن تتعامل مع إيران من خلال تبني مجموعة من السياسات الخاطئة التي تحاول إضعافها، لا سيما في منطقة تتمتع فيها إيران للميزات. يجب أن تبقى واشنطن واضحة الرؤية فيما يتعلق بمصالحها الجوهرية، وعليها التعامل مع إيران من خلال أمرين: مواجهة واحتواء إيران عندما تتحدى مصالحها الجوهرية والتطلع للتعاون معها حين تحرص على الوفاء بالتزاماتها.

المصدر | فورين أفيرز

  كلمات مفتاحية

الاتفاق النووي إيران الولايات المتحدة دونالد ترامب