الأربعاء 18 يونيو 2014 04:06 ص

ميساء شجاع الدين، المونيتور، 12/6/2014

«الشرعيّة التوافقيّة» هي المصطلح الأقرب إلى قلب الأحزاب اليمنيّة منذ 2010، عندما وقّعت أحزاب المعارضة المنضوية تحت مظلة تحالف ما يُعرف بأحزاب اللقاء المشترك اتفاقيّة مع حزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة رئيس الدولة اليمنيّة آنذاك «علي عبدالله صالح»، واقتضى بموجبه تأجيل انتخابات مجلس النواب اليمني منذ 2003 حتى تتمّ مراجعة وإصلاح النظام الانتخابي واللجنة العليا للانتخابات.

وكانت الثورة التي انفجرت في 2011 قد انتهت بمبادرة خليجيّة أسفرت عن رئيس توافقي (عبد ربه منصور هادي) وحكومة وفاق وطني، لنعود مجدداً إلى مفهوم الشرعيّة التوافقيّة الذي يفترض من تسميته التوصّل إلى اتفاق بين أطراف مختلفة.

لكن ما لبثت أن قامت صراعات مختلفة مثلما حدث في اتفاق 2010 الذي لحقه انفجار الصراع السياسي في 2011. ولم تستطع المبادرة الخليجيّة التي وقعت في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 من تحقيق الحد الأدنى من تطلعات الناس أو تبريرات النخبة لعورات هذا الاتفاق. ورغم ذلك، تمّ تمديد المرحلة الانتقاليّة التي كان يفترض أن تنتهي في شباط/فبراير 2014، تحت مبرّر التوافق السياسي وإن المرحلة الانتقاليّة مهام وليست زمناً.

المبادرة الخليجيّة خفّضت من سقف الحدث اليمني في 2011، من ثورة أو حتى انتفاضة شعبيّة إلى أزمة كما ذكرت الاتفاقيّة. وقد لقيت معارضة كبيرة من بعض الشباب المستقل والحزبي بحكم أنها تلغي الفاعل الشعبي في الحدث وتحشره في زاوية الخلاف السياسي بين الأحزاب اليمنيّة، بالإضافة إلى منحها حصانة قانونيّة لكل من ارتكب جرائم طيلة حكم الرئيس «صالح» على مدى ثلاثة عقود.

لكن تمريرها تمّ برضا شعبيّ تحت ضغط الوضع المعيشي المزري بسبب انقطاع الكهرباء المستمر وصعوبة الحصول على المياه وأزمات البنزين والديزل المتكرّرة أو المستمرة. هذا كله يعني أن توفير الخدمات الأساسيّة للمواطنين هو الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على شرعيّة أي حكومة. وفي الحالة اليمنيّة كان توفير هذه الخدمات هو المرتكز الشعبي الأساسي لقبول المبادرة، لذا كان استمرار أزمات الكهرباء والمياه والبنزين يثير التساؤل حول مدى شرعيّة الحكومة الحاليّة وكذلك حول العائق لتوفير هذه الخدمات.

في الواقع، أثارت شرعيّة التوافق مشاكل عدّة أبرزها على الإطلاق أنها أعفت الجميع من المسؤوليّة بحكم تشارك السلطة وتوزعها بين كل الإطراف السياسيّة. وبالتالي، لا يوجد حزب ما يتحمل مسؤوليّة الأداء الحكومي، وكذلك تغيب المعارضة بمشاركة جميع الأطراف السياسيّة الموجودة على الساحة، بخاصة وأن التمديد المستمر لمجلس النواب أدّى إلى ترهّل أدائه وضعف المراقبة الشعبيّة للنواب الذين فاق وجودهم تحت قبّة البرلمان العشر سنوات وكانوا نتاج عمليّة انتخابيّة في مرحلة زمنيّة تجاوزتها اليمن.

فبعد 2003 - عام الانتخابات البرلمانيّة - قامت حرب صعدة في 2004، ثم انطلق الحراك الشعبي في الجنوب في 2007، وأخيراً انتفاضة شعبيّة في 2011. هكذا، صار مجلس النواب لا يراقب أداء الوزراء وتحوّلت جلسات المساءلة إلى مهازل يتخللها الكثير من المشادات الكلاميّة، أبرزها اللغط حول مدى شرعيّة هذا المجلس الذي يسيطر عليه حزب الرئيس السابق والحالي، إذ لا تتم مساءلة سوى وزراء أحزاب اللقاء المشترك.

وذلك بالإضافة إلى أن الطبيعة التوافقيّة للحكومة انسحبت على جميع الوظائف في الحكومة، وقد أصبح المعيار الحزبي هو الأساس في تعيين الموظفين. في سبيل ذلك، استُبعِدت الكثير من الكفاءات. كل هذا في ظل غياب معارضة جادة، بل إن التوافق اقتضى غياب النقد بين الأطراف المتشاركة في العمليّة السياسيّة وبالتالي لا يمكن لبقيّة الأحزاب نقد أداء وزير من حزب المؤتمر أو الإصلاح، بينما صارت الرداءة تجمعهم وغيّبت كلياً مصلحة المواطن الذي يعاني يومياً من نقص حاد في الخدمات الأساسيّة.

«الشرعيّة التوافقيّة» هي شرعيّة بين أحزاب سياسيّة مبتعدة عن الشارع، بدليل أن حركة الحوثيّين هي التي تعبّر عن الطائفة الزيديّة في اليمن رغم توزّع أبنائها في كل الأحزاب السياسيّة، في حين يفترض وجود حزب يستند إلى مرجعيّة زيديّة، هو حزب الحق. والحراك الجنوبي صار الفصيل الأكبر في الشارع الجنوبي رغم وجود كل الأحزاب في الجنوب وعلى الأخص الحزب الاِشتراكي - الحزب الحاكم للجنوب سابقا. وهنا نتحدّث عن أحزاب عجزت عن التعبير عن الشارع الذي أفرز قوى سياسيّة تتحرك بمطالب خارج العمليّة السياسيّة بأكملها، وتتطلب ليس مجرّد إصلاح في الدولة اليمنيّة بل تغيير راديكالي في أساس الدولة أو تقويض هذه الدولة وتأسيس غيرها.

إذاً، فكرة التوافقيّة منقوصة بغياب قوى سياسيّة مؤثرة وفعالة. ولا تستطيع لعب دور المعارضة بحكم طبيعة مطالبها مثل الحراك الجنوبي والحوثيّين، وهذا كان سبباً كافياً لاستمرار الاحتقان السياسي في الجنوب والمعارك المسلحة في الشمال بين الحوثيّين والجماعات السلفيّة.

إذاً، عجزت المبادرة الخليجيّة في فترتها القانونيّة عن وقف النزاعات المسلحة، بل تزايدت مع زيادة تفكك الجيش بسبب الهيكلة المشوّهة. فالجيش كان منقسماً إلى قسمَين: القسم الأكبر بيد نجل الرئيس «أحمد علي عبد الله صالح» وقسم آخر بيد الجنرال «علي محسن». والآن تم تفكيك قسم «أحمد علي صالح» لأقسام عدّة بعضها لا يتبع رئيس الجمهوريّة، وتتعدّد فيها الولاءات المناطقيّة والقبليّة. أما قسم الجنرال «علي محسن» فقد ظل على ولائه لقائده الذي لم يستجب لقرار الهيكلة وحل فرقته العسكريّة بموجب قرارات الرئيس. رغم ذلك، ما زالت الفرقة موجودة في ظل صمت من الرئيس والمبعوث الأممي. بل إن هذه النزاعات المسلحة تزايدت حدّتها في الشمال، بينما ازدادت المعارك سخونة ضد "القاعدة" جنوباً مع أن أبرز ما قامت عليه المبادرة الخليجيّة، هو منع قيام حرب في اليمن.

لكن طالما عجزت المبادرة عن منع الحرب في المرحلة الانتقاليّة من دون تمديد، فما ضرورة التمديد لهذه المرحلة؟

المرحلة الانتقاليّة في اليمن دفعت الناس إلى الترحّم على أيام الرئيس السابق «علي عبد الله صالح»، إذ ضاقت سبل عيشهم وتزايدت النزاعات المسلحة وكذلك الفساد الحكومي، بحكم التوظيف الحزبي. وهذا يدفع إلى السؤال عن مدى شرعيّة هذه الأطراف الحاكمة، بخاصة مع تمديد المرحلة الانتقاليّة من دون العودة إلى الشعب في استفتاء، مع غياب مجلس نواب يمثله أو حتى وجود جدول زمني لمهام هذه المرحلة التي تم تمديدها لمدّة عام قابلة للتجديد بحجّة عدم إتمام عمليّة انتقال السلطة في اليمن بحسب المبادرة الخليجيّة.

وتجدر الإشارة إلى أن أحد أسباب تفجّر الوضع في 2011، كان توجّه الرئيس «صالح» نحو التمديد عن طريق مجلس نواب لم يعد يعترف به أحد. وهذا يعني أن الشرعيّة التوافقيّة صارت مجرّد تلفيق للعمليّة السياسيّة والمراحل الانتقاليّة غير المجدية في اليمن والتي تحوّلت كابوساً شعبياً وجنّة للأحزاب التي تحصل على وظائف حكوميّة لا تستحقها بحكم الكفاءة وما من جهة تسائلها. والأهم أن انتهاء المرحلة الانتقاليّة يعني في ما يعنيه، عدم قيام انتخابات برلمانيّة ورئاسيّة تخشاها أحزاب ابتعدت طويلاً عن الشارع. ■