الخميس 24 نوفمبر 2016 12:11 ص

يتم حاليا اغتيال حلب، بإبادة بطيئة، برعاية على أعلى مستوى: فلاديمير بوتين وباراك أوباما ودونالد ترامب وعلي خامنئي وبنيامين نتانياهو... وبالبث المباشر. العرب والأوروبيون والعالم يقرون بالعجز والهوان، روسيا ونظام بشار الأسد والإيرانيون في طريقهم الى إنجاز انتصار. عندما باشر الروس حملة التدمير المنهجي قبل شهرين، لم يتوقعوا ردود الفعل التي أدانت «جريمة حرب» موصوفة.

فحاولوا أولا التنكر بـ«شرعية» محاربة الإرهاب، ثم أوحوا بتقاسم المسؤولية مع الأمريكيين أو إلقاء اللوم عليهم لأنهم «لم ينجحوا في فصل المعتدلين عن المتشددين» في صفوف مقاتلي المعارضة. عندئذ فضلوا تغيير كامل تكتيكهم، لا لسبب أخلاقي أو إنساني، بل لأن الهجوم البري لاقتحام دفاعات المعارضة لم ينجح. وخلال الهدنة التي أعلنوها، ومددوها مرارا، لم يكونوا يتوقعون من المحاصرين داخل حلب سوى الاستسلام والمغادرة الفورية.

لا الروس ولا حلفاؤهم يقبلون بأن يبقى مدني واحد في المدينة، ولا هم فتحوا ممرات آمنة بمعايير الأمم المتحدة لإقناع المدنيين بالخروج، ولا سمحوا بإدخال مساعدات إنسانية. إنهم يبحثون عن مجزرة كبرى، عن إبادة فعلية.

خلال الهدنات الروسية، طرأ تغيير مهم. انتخب ترامب رئيسا للولايات المتحدة. ابتهجت موسكو ودمشق، ولم تبتئس طهران، فما يناسب حليفيها في سورية يناسبها أيضا، ثم إنها منهمكة بتجذير وجودها في سوريا عبر شراء العقارات واستكمال حصارات التجويع في المناطق المحيطة بدمشق، أما مشاكلها مع واشنطن في شأن الاتفاق النووي وغيره فهي قادرة على إدارتها. كان ترامب قال خلال حملته، أنه لا يعرف بوتين الذي كان الوحيد في قول «أشياء جيدة» عنه وفي دعمه باختراقات إلكترونية، لذلك فهو مستعد للعمل مع الرئيس الروسي لبناء تعاون بين الدولتين.

لكن ما ظهر بعدئذ لفت الى أن بين الرجلين قنوات اتصال وليس مجرد كلمات طيبة، وإذ شمل الابتهاج بفوز ترامب إسرائيل أيضا، فلا بد أن تقارب بوتين ونتانياهو فعل فعله في كواليس الرئيس المنتخب وبعض عائلته فضلا عن «اللوبي اليهودي». ثمة اتصال وتواصل منطقيان بين هذه العناصر، وقد أنتجا هذه المهادنة الترامبية المبكرة لروسيا – بوتين، على رغم أنها لا تتماشى كليا مع التوجهات الأساسية للحزب الجمهوري.

في الرابع عشر نوفمبر/تشرين الثاني، تهاتف بوتين وترامب. كان هذا الاتصال الثاني المعروف بينهما. أفاد الكرملين رسميا بأنهما تحادثا عن «ضرورة توحيد الجهود في محاربة الإرهاب»، وبحثا في «سبل تسوية الأزمة السورية». أما الترجمة الفورية لهذه اللغة الخشبية فتقول أن بوتين أبلغ الآخر بأن معركة حلب ستستأنف.

لم يستأذنه، طبعا، لكنه شرح التكتيك الجديد: روسيا تخوضها جوا كالعادة، لكنها تتوارى إعلاميا وراء نظام الأسد، طالما أن الأخير غارق في سمعته الدموية.

في اليوم التالي، أي 11/15 بدأت الحملة الجديدة على حلب، وفي ذلك اليوم قال الأسد في لقائه مع التلفزيون البرتغالي: «إذا كان ترامب يريد محاربة الإرهابيين فسنكون حلفاء طبيعيين له مع الروس والإيرانيين». هذا يعكس تناغما مع تصريحات عديدة لترامب قال فيها أن الأسد ليس مشكلته وإنما تنظيم «داعش»، وأنه لن يدعم تسليح المعارضة، وهو كان وصف حلب في إحدى المناظرات مع منافسته هيلاري كلينتون، بأنها «كارثة إنسانية لكن المدينة في الأساس سقطت».

ما يتوقعه ترامب وما وعد به أن بوتين و «حليفه الطبيعي» الأسد إضافة الى الإيرانيين، سينهون عملية حلب قبل مباشرته عمله في البيت الأبيض في 2017/01/20 هذا يعني رمزيا وفعليا، أنه أعطى الضوء الأخضر للإجهاز على المدينة، وأصبح مع أوباما شريكين لبوتين في أبشع مرحلة مرت بها حلب في تاريخها الطويل. ولم يعد هناك معنى لكل الانتقادات والإدانات التي توجهها الإدارة الحالية للقصف الحاصل.

فلا الأمم المتحدة ولا قناة الاتصال الأمريكية - الروسية التي يقال أنها لا تزال فاعلة، ولا اتصالات كيري - لافروف، ولا أي جهة على الإطلاق، لمحت الى بحث في هدنة «حقيقية» أو وقف لإطلاق النار.

أما الحصيلة خلال الأيام الأولى، فتجاوزت بضع مئات من الضحايا قضى العديد منهم في القصف المركز على المستشفيات التي لم يعد أي منها في الخدمة، لذا فإن أكثر من ألف جريح لا يجدون من يهتم بهم، وبعض كثير منهم أصيب بأسلحة محظورة دوليا كالقنابل الفوسفورية أو العنقودية أو قذائف الكلور المعبأة في البراميل المتفجرة، وقد لا يختلف مصيرهم عن مئات دمرت الأبنية فوقهم فقتل من قتل وظل الآخرون عالقين تحت الأنقاض فيما فقد الدفاع المدني (ذوو الخوذ البيضاء) القدرة على الإنقاذ بعد استهداف مراكزه وأفراده. وبعدما وزعت آخر المؤن الغذائية انعدمت سبل العيش، والآن ينتظر الأسد دعم «حليفه الطبيعي» الآخر: حصار التجويع.

بات واضحا لماذا كان متاحا دائما لـ «الحليف الطبيعي» لترامب (و»الحليف الموضوعي» لأوباما) أن يلقي البراميل المتفجرة على شعبه، ولم يكن ممكنا أبدا إلقاء أي مساعدة إنسانية الى المحاصرين في حلب وغيرها. إنه أكبر تحالف جهنمي اجتمع فيه الأعداء والمتضادون ليمنعوا شعب سورية من نيل حريته وحقوقه، وجعلوا ثمن بقائه على أرضه أن يرضى بالحاكم المستبد المجرم الذي كان الترخيص الدولي والإقليمي لبقائه يقوم على ضمانه أن شعبه غير موجود. لذلك فهو لا يريد حلب، وحلفاؤه جميعا لا يريدونها، سوى أكوام من الركام.

يتصرف ترامب وبوتين كما لو أن بينهما تفاهما سابقا ويتعجلان تفعيله، بل إن بوتين لم يعد راغبا في العمل مع الإدارة الحالية، لأن هناك استحقاقات، أو تحديدا لأن مجزرة حلب لا تستطيع الانتظار لشهرين إضافيين. وعلى نحو مجاني ومتهافت، يبدو ترامب مسلما سورية الى روسيا، حتى قبل أن يتسلم مهماته. فعل ما تفادى سلفه أن يفعله على رغم أنه ارتكب أفدح الأخطاء في سورية. لا أحد في المنطقة العربية سيحن الى أيام أوباما أو سياساته، لكن ما سيفتقد على الأرجح هو ذلك الحد الأدنى - ولو الوهمي - من القيم والأهداف.

هذا على الأقل ما يبدو أن أنغيلا مركل قصدته عندما انتهزت وقوفها الى جانب أوباما لتقول مخاطبة ترامب: «الأسد لا يمكن أن يكون حليفا لنا»، ولتشرح أيضا أن الأسد مسؤول عن الإرهاب وعن معاناة اللاجئين الذين اجتاحوا ألمانيا، فـ «معظمهم هرب من الأسد وليس من تنظيم داعش». لا شك أن الأوروبيين يفضلون شكواهم المريرة من بلادة سياسات أوباما على الشكوك العميقة التي تنتابهم حاليا إزاء استخفاف ترامب ونياته «الانقلابية».

السؤال ماذا بعد حلب، كالسؤال ماذا بعد الموصل وماذا بعد «داعش»، لا يطرحان بحثا عن حلول سلمية استقرارية تأخذ في الاعتبار مجتمعات البلدين ومكوناتهما، بل للانكباب على رسم حدود وخرائط للصراعات والتوترات، وبالتالي للوصايات الخارجية المستدامة. كان أوباما يبرر تلكؤه في مساعدة المعارضة السياسية والعسكرية بأنه لا يعرفها وبالخشية من جماعات الإرهاب،

لكن تردده جاء بـ «داعش»، وعندما أراد ضربه جاءت روسيا لمشاركته وللسير بالأزمة السورية نحو حل سياسي لكنها لم تحارب الإرهاب بل أججت نار الصراعات المذهبية، وتخوض الحسم العسكري لمصلحة الأسد. لذا لم يعد مستغربا أن يبدأ ترامب «من الآخر»، فهو أعفى نفسه من محاربة الأسد (لم يتوقعها أحد منه) خشية أن تؤدي الى «مواجهة مع روسيا»، لكنه مصمم على محاربة «داعش».

الفارق أن ترامب، خلافا لأوباما، لا يرى مشكلة ولا عارا أخلاقيا في إبقاء الأسد وحتى التحالف معه، بل إنه مثل بوتين والأسد وخامنئي لا يعترف بأن هناك شعبا في سورية.

* عبد الوهاب بدرخان - كاتب صحفي لبناني

المصدر | الحياة