الجمعة 25 نوفمبر 2016 11:11 ص

منذ أن أصبحت دول الخليج الصغيرة دولًا مستقلة عن بريطانيا في النصف الأخير من القرن العشرين، سعت الأسر الحاكمة في تلك الدول إلى سياسات متنوعة لإبقاء كل شيء تحت سيطرتهم، من غلقٍ للصحف، ومصادرة جوازات السفر، إلى زج المعارضين الأكثر إزعاجًا في السجون.

ولكن الآن بدأت تلك الدول في انتهاج طرقًا أخرى أكثر حدة، وهي تجريد المعارضين وأسرهم من جنسياتهم، وتركهم بلا جنسية.

البحرين كانت من أكثر الدول انتهاجًا لتلك السياسة، فقد هددت العائلة الحاكمة السنية الأغلبية الشيعية في البحرين بسحب جنسياتهم لقمع الإنتفاضة التي اندلعت عام 2011 أثناء ربيع الثورات العربي. ولم يمض أكثر من ثلاثة أعوام حتى قامت البحرين بالفعل بتجريد 21 شخصًا من جنسياتهم في عام 2014، ليتضاعف ذلك الرقم عدة مرات في العام الذي تلاه.

في العام الماضي، سحبت الدولة الجنسية من «عيسى قاسم» الزعيم الروحي للشيعة في البحرين. «فالدولة تحول الشعب من مواطنين إلى خدم أذلاء»، على حد وصف «عبد الهادي خلف»، النائب البحريني السابق، الذي جردته الدولة أيضًا من جنسيته في عام 2012. «فجوازات سفرنا ليست حقا نكتسبه بالولادة في ذلك المكان، إنما هي جزء من صلاحيات الحاكم علينا».

لم يمر وقت طويل حتى حذت باقي الدول المجاورة حذو شقيقتهم، فعائلة آل الصباح الحاكمة في الكويت، حرمت 120 شخصًا من جنسياتهم العامين الماضيين على حد قول «نواف الهيندال»، المسؤول عن «كويت ووتش»، وكالة الرصد المحلية.

وعلى الرغم من أن الموضوع قد يبدوا طائفيًا، حيث إن أغلب المحرومين من جنسياتهم في البحرين كانوا من الشيعة، إلا أن الموضوع يتعدى ذلك، فأغلب المحرومين من جنسياتهم في الكويت كانوا سنة، مثل «أحمد الشمري»، الناشر الصحفي الذي سحبت جنسيته في عام 2014.

في عام 2015، قام أحد الجهادية السعوديين بتفجير نفسه في أحد المساجد الكبيرة خلال صلاة الجمعة في الكويت، مما أسفر عن مقتل 27 شخصًا، تبع ذلك حملة عنيفة استهدفت العديد من السلفيين المشتبه في حصولهم على الجنسية الكويتية خلال الفوضي التي خلفتها حرب العراق والكويت وطرد القوات العراقية عام 1991.

«نحن نبحث عن عمليات الاحتيال».. هكذا علق «مازن الجراح» عضو الأسرة الحاكمة و المسؤولعن شؤون الجنسية والجوازات في الإمارة.

لم تسلم أكثر دول الخليج تحررًا من ذلك أيضًا، فالإمارات سحبت الجنسية من نحو 200 شخصًا من مواطنيها منهم بعض المنتمين لجماعة الاخوان المسلمين عام 2011، خشيةً أن يتسببوا في اضطرابات بالدولة، كما صرح «أحمد منصور» الناشط في مجال حقوق الإنسان والممنوع حاليًا من السفر.

قطر أيضا لجأت لذلك في وقت سابق من تاريخها. فقد سحبت الدولة الجنسية من عشيرة بأكملها، الغفرانية، بعد اتهام عشرة من كبار العائلة بالتآمر مع المملكة العربية السعودية للقيام بإنقلاب عام 1996. فقد في ذلك القرار أكثر من خمسة آلاف شخصًا من المنتمين لتلك العائلة جنسياتهم منذ عام 2004. «استطاع بعضهم استعادتها، ولكن بقي الآلاف منهم في دوامة بلا دولة أو جنسية»، كما يقول «مسفر المري» المنفي حاليًا في إسكتلندا.

العواقب تكون وخيمة، فأولئك الأشخاص لا يخسرون فقط بطاقات هويتهم ورخص القيادة، ولكنهم يفقدون كل امتيازات الدول الغنية بالنفط، كفرصة الحصول على وظيفة، أو القدرة على تملك منزل، سيارة، هاتف أو حتى حساب مصرفي.

أما الذين يسافرون إلى الخارج، فهم يمنعون من العودة، بينما يمنع من هم في الداخل من السفر خارج البلاد.

والمجرد من جنسيته، لا يستطيع تسجيل شهادة ميلاد لطفله، ولا يستطيع تسجيل عقد زواجه، وقد يحتاج كفيلًا كالأجانب تمامًا. الأمر أشبه بـ«إعدام قانوني» كما يصفها أحد البحرينيين الذي مازال يحتفظ بجنسيته، «فهم يتركون بلا أي حقوق».

يبرر الحكام ما يحدث بالحرب على الارهاب، ولكن من بين 72 شخصًا جردوا من جنسياتهم البحرينية في يناير/كانون الثاني 2015، كان هناك 22 شخصًا فقط ممن يزعم انتماؤهم لتنظيم «الدولة الإسلامية».

لم تكن القوانين تسمح بسحب جنسية أي مواطن إلا في حالة الخيانة أو حصوله على جنسية أخرى، ولكنها أصبحت الآن أكثر اتساعًا من ذلك بكثير. فالتشهير ببلد شقيق، قد يكلفك جواز سفرك في البحرين مثلًا. وتطبق تلك العقوبة على أي شخص يثبت تعارض ولائه مع المملكة، أو حتى يسافر إلى الخارج لخمس سنوات أو أكثر بدون موافقة وزارة الداخلية.

ضحايا تلك القوانين يشملون طيفا واسعا من المواطنين، كالأكاديميين والمحامين والنواب السابقين وزوجاتهم وحتى أطفالهم.

الغرب أيضًا ليس في موقف يسمح له بانتقاد تلك السياسات، فمعظم دول الاتحاد الأوروبي تقوم بسحب الجنسية ممن يشتبه في تورطه في أعمال ارهابية. اتهام فضفاض للغاية، فبريطانيا على سبيل المثال قد تقوم بسحب الجنسية إذا كان ذلك يصب في «الصالح العام».