الاثنين 26 ديسمبر 2016 10:12 ص

يرحل عام 2016 خلال أيام، دون أن تحقق العلاقات المصرية الروسية أهدافها المرجوة، على الرغم من التنازلات التي قدمتها القاهرة للدب الروسي في ملفات عدة، وانحيازها لموسكو فيما يتعلق بمستقبل الرئيس السوري «بشار الأسد».

التنازلات التي قدمها نظام الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» مقابل صفقات بمليارات الدولارات أبرمتها القاهرة مع الحليف الروسي، لم تشفع لمصر بما يحقق لها الاستفادة الاقتصادية في مجالي السياحة والطاقة.

حظر رحلات الطيران الروسي

التأخر الروسي في اتخاذ قرار عودة النشاط السياحي الروسي إلى مصر، يمثل صداعا مزمنا للقاهرة، منذ سقوط الطائرة الروسية في سيناء أكتوبر/ تشرين أول 2015، وسط خلافات روسية مصرية حول معايير تأمين المطارات المصرية.

هناك بالفعل خلافات قضائية ودبلوماسية بين البلدين حول تفاصيل عديدة بملف التحقيقات في حادث الطائرة الروسية التي انفجرت فوق جبال سيناء، والمحققون الروس منزعجون مما آلت إليه التحقيقات المصرية في الواقعة، ويتهمون الأمن المصري بالتقصير في عمله لعدم تقديمه أدلة دامغة تؤدي لتحديد متهمين حقيقيين بإسقاط الطائرة بواسطة عبوة ناسفة صغيرة زرعت فيها بمطار «شرم الشيخ».

وحتى الآن لم يتوصل الطرفان، لصيغة مرضية حول بروتوكول التعاون الملاحي الجوي الذي ترغب روسيا في أن توقعه الدولتان لضمان سلامة رحلات الطيران الروسي على الأراضي وفي الأجواء المصرية، بحسب «العربي الجديد».

وتشترط روسيا على مصر توقيعه والتزامها بكل بنوده كشرط لاستئناف الرحلات الجوية. وتشير المصادر إلى أن البروتوكول يقنن التفتيش الروسي على سلامة الإجراءات الأمنية في المطارات المصرية المستخدمة في رحلات الطيران الروسي، بالإضافة لتحديد عدد أدنى وأقصى من الرحلات اليومية المتبادلة، وتحديد المطارات الدولية التي يمكن أن تستخدمها الدولتان في رحلاتهما المتبادلة كمحطات مؤقتة (ترانزيت)، بالإضافة إلى تحديد بعض الشروط الأمنية الأخرى في المطارات المستقبلة للطيران الروسي.

توقف السياحة الروسية

الإجراء الروسي الثاني الأشد إيلاما للقاهرة، عدم رفع حظر السياحة لمصر، والذي يدخل عامه الثاني على التوالي، دون بادرة أمل في استنئناف النشاط السياحي، لا سيما أن فصلي الشتاء والربيع كانا يمثلان ذروة إقبال السائحين الروس على مدن سيناء تحديدا.

وتراهن الحكومة المصرية على قرار عودة السياحة الروسية كحل محتمل لمشكلة انخفاض سعر الجنيه باستمرار مقابل الدولار الأميركي، وسبب هذا الرهان يكمن في أن الروس كانوا يمثلون حتى نهاية 2015، النسبة الأكبر من السياح الأجانب الذين يترددون إلى المنتجعات السياحية المصرية، بعدما تراجعت أعداد نظرائهم الأوروبيين والأميركيين خلال السنوات الأربع الأخيرة.

لكن حادث تفجير الطائرة الروسية، ثم سقوط طائرة مصرية أخرى في البحر الأبيض المتوسط، واختطاف طائرة ثالثة إلى قبرص، وتفجير الكنيسة البطرسية وسط القاهرة، من شأنه أن يؤجل القرار الروسي حتى إشعار آخر.

أزمة محطة الضبعة

مع نهايات العام، لم يحقق نظام الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي» آماله بتوقيع الاتفاق الفني النهائي الخاص بالمفاعل النووي المصري بمنطقة الضبعة، والتي ستضم أربعة مفاعلات، وستتولي روسيا إنشاءها بتمويل 85% من قيمتها، بقرض تصل قيمته إلى 25 مليار دولار.

ولا تلوح في الأفق مؤشرات لحصول زيارة قريبة للرئيس الروسي، «فلاديمير بوتين»، إلى القاهرة، لرعاية التوقيع النهائي على اتفاق المحطة النووية. عزز ذلك نفي السفير الروسي في القاهرة، «سيرغي كيربيتشينكو»، واصفا ما نشر في هذا الصدد بـ«خيال بلا حدود للمصادر المصرية».

وكان من المفترض أن تتلقى مصر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، 247 مليون دولار، كدفعة أولى من القرض الروسي الذي تم الاتفاق عليه بين البلدين لتمويل المحطة النووية بقيمة إجمالية تبلغ 25 مليار دولار. إلا أن الاتفاق أصبح معرضا لتعديل الجدول الزمني لإيداع دفعات القرض، نظرا لانخفاض قيمة العملتين المحليتين المصرية والروسية بالنسبة للدولار الأميركي.

وتتلخص الأزمة في أن شركة «روس آتوم» التي ستنشئ وتدير المفاعل، تتمسك ببعض الشروط الفنية التي لم توفرها وزارة الكهرباء المصرية حتى الآن. وتصر الشركة الروسية على الاعتماد على محطات توليد طاقة بقوة معينة من مورد محدد، بالإضافة لشكواها من سوء المواصلات من وإلى منطقة المفاعل، وكذلك بين المفاعل والأماكن التي تم تحديدها لتخزين الأجهزة، ناهيك عن وجود شكوك حول تأمين هذه الطرق والموقع الرئيسي أيضا.

قاعدة سيدي براني

تحاول روسيا تحقيق استفادة واضحة في ملفات عدة، على الأصعدة الاستراتيجية والاستخباراتية والعسكرية، بما يتعلق تحديدا بالملف السوري، ولذلك شهد العام 2016 اتصالات بين روسيا ومصر لاستغلال القاعدة العسكرية بـ«سيدي براني» بمحافظة «مطروح»، شمال غرب البلاد كمستودع للأجهزة والآليات الروسية.

القاهرة قالت إنها رفضت الطلب الروسي، لكنها أجرت مناورات بحرية مع الجيش الروسي في البحر الأبيض المتوسط، وأمدت الحليف السوري بطيارين مصريين في معركة حماة وحمص، وعطلت رسميا قرارات دولية في مجلس الأمن تدين نظام «بشار الأسد».

في مقابل ذلك، ووفق لغة المصالح، من المؤكد أن المصالحة الروسية التركية التي تمت منذ أسابيع بين الطرفين، يمكن أن تشكل نقطة خلاف جديدة بين موسكو والقاهرة، على اعتبار أن العلاقات التركية المصرية يشوبها العديد من الأزمات منذ عزل الجيش للرئيس الأسبق، «محمد مرسي»، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين المدعومة من تركيا وقطر، الأمر الذي قد يفاقم الخلاف خلال الفترة المقبلة بين الدب الروسي والفرعون المصري نتيجة لكل هذه التراكمات والمواقف السياسية المتناقضة.

صفقات التسليح

تشكل العلاقات العسكرية محورا مهما في العلاقات المصرية الروسية بعد صعود «السيسي» إلى السلطة، فبينما كانت واشنطن ممتنعة عن إرسال مساعداتها العسكرية السنوية إلى مصر بين عامي 2013 و2014، كان «السيسي» يزور روسيا أكثر من مرة لعقد صفقات عسكرية شملت منظومة «بريزيدنت - إس» المخصصة لحماية الطائرات والمروحيات المدنية والحربية من الصواريخ، ومدافع «أرض-جو» و«جو-جو»، والصواريخ البحرية أيضاً، ومروحيات «مي - 28» و«مي - 26» و«كا - 52»، والصواريخ المضادة للطائرات «أنتي - 2500»، وصواريخ «إس 300» وطائرات «ميغ 29 إم» و«ميغ 35»، ومقاتلات «سو 30»، وزوارق صواريخ وقاذفات « بي جي»، ودبابات «تي 90»، وفوق كل ذلك أهدت روسيا طرادا من طراز «مولنيا» إلى مصر.

ووفق تقديرات عسكرية، فإن مصر أنفقت نحو 15 مليار دولار خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة على التسليح، منها نحو 60 في المائة على الأسلحة الروسية، والباقي موزع بين الأسلحة الفرنسية ومصادر أخرى. لكن جميع الأسلحة الروسية التي حصلت عليها مصر لم تكن مخفضة الثمن أو مدعومة، لتنهي مصر عام 2016 بمزيد من التنازلات للدب الروسي، دون مكاسب اقتصادية على أرض الواقع.