الاثنين 2 يناير 2017 05:01 ص

بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي إلى خمسة عشرة دولة، عام 1991، ونهاية الحرب الباردة، ورثت روسيا الاتحادية تركة الاتحاد السوفييتي بمكانته وترسانته النووية وديونه وقوته العسكرية. وحينئذ برزت في الغرب كتابات حول تفوق النظام الرأسمالي الغربي وانتصاره بقيادة الولايات المتحدة في سباق التسلح وسباق الفوز بالعقول والقلوب.

وفي ظل تقوقع الدب الروسي ودخوله مرحلة البيات الشتوي، تحدث الرئيس الأمريكي بوش الأب عن «النظام العالمي الجديد» بزعامة الولايات المتحدة، وهو نظام آحادي القطبية، تتمتع فيه الولايات المتحدة بتفوق عسكري وسياسي ساحق.. بل ذهب بعض المفكرين، مثل فرانسيس فوكاياما، إلى الحديث عن «نهاية التاريخ»!

اليوم، وبعد مرور ربع قرن على نهاية الحر بالباردة، تعود روسيا قوة عظمى ذات نفوذ يمتد من البلطيق وقزوين إلى المتوسط والشرق الأوسط، لتنسف تلك النظرية وتدشن صراعا بين الكبار لا يرتكز على البعد العقائدي بل على النفوذ والهيمنة.

هكذا تعود أجواء الحرب الباردة منذ عام 2014، خاصة مع تمدد نفوذ روسيا واحتلالها شبه جزيرة القرم، وتدخلها في شرق أوكرانيا، ثم تدخلها في سوريا، وتزويدها إيران بنظام صاروخي دفاعي متطور ‏(S-300)، وحضورها الواضح كلاعب مؤثر في أزمات الشرق الأوسط، واستخدامها الفيتو، وتمكينها من المجال الجوي السوري والإيراني والعراقي لتوجيه صواريخها ضد أهداف في سوريا!

وقد نجحت روسيا في تشكيل وقيادة محور وغرفة عمليات تضم روسيا وإيران والعراق والنظام السوري، لمحاربة المعارضة السورية المسلحة.. إلخ.

كل ذلك يعيد مناخ الحرب الباردة، خاصة مع التدخل الروسي في منطقة نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية. وكما نرى، فقد أصبحت روسيا لاعبا رئيسا في مأساة سوريا، وكانت وراء سقوط حلب وتغيير موازين القوى لمصلحة النظام، بسبب الاستخدام المفرط للقوة ضد الأهداف المدنية، مما زاد معاناة المدنيين وعمق مأساتهم.

وحاليا، تتصدر روسيا المشهد الإقليمي على حساب الولايات المتحدة، سواء في الحرب أم في السلام ووقف إطلاق النار، كما حدث في سوريا بضمانة من موسكو وأنقرة، تمهيدا لمحادثات الأستانة هذا الشهر! وهذا يكرس الدور القيادي لروسيا ويعيدها وبشكل قوي للشرق الأوسط على حساب واشنطن، عشية بدء إدارة الرئيس ترامب الذي يشيد ببوتين وبمواقفه.

لكن سلوك روسيا الأكثر استفزازا هو تدخلها بانتخابات الرئاسة الأمريكية عبر «هجمات إلكترونية وقرصنة للتأثير على انتخابات الرئاسة الأمريكية والإضرار بمصالح أمريكا»، لذلك أصدر الرئيس أوباما قرارات عقابية ضد روسيا، شملت طرد 35 دبلوماسيا، ومعاقبة 6 أشخاص آخرين، وإغلاق 5 مراكز روسية على الأراضي الأمريكية.

وسترفع إدارة أوباما تقريرا للكونغرس حول أنشطة روسيا وتدخلها في انتخابات الرئاسة الأمريكية.. مما يعيد أجواء الحرب الباردة بين القوتين الأعظم في العالم.

وكان لافتا أن الرئيس بوتين لم يرد بالمثل، بل وأعلن أنه لن ينزلق لمستوى إدارة أوباما لأن عينه على ترامب القادم وليس أوباما المودع، وذلك وفي خطوة أقرب لرفع غصن الزيتون!

ترامب بدوره قلل من شأن القرصنة الروسية وطالب بالتركيز على الأهم، بل أشاد بحنكة بوتين وذكائه، في تغريدات على حسابه في تويتر، مما أثار استهجان كثيرين في أمريكا، خاصة أنه امتدح رئيسا تدخلت بلاده لأول مرة في انتخابات الرئاسة الأمريكية!

وبذلك يثبت بوتين مجددا دهاءه السياسي وحنكته، بعدم رده على معاملة أوباما الراحل في غضون 3 أسابيع، على أمل أن يؤدي ذلك لعلاقات أوثق مع إدارة ترامب القادمة. يبدع بوتين بمسرحية سياسية ويفاجئ الجميع، ويقدم دفعة على الحساب لإدارة ترامب القادمة، ليبدو كبيرا وكريما وليكسب العقول والقلوب! لكن هل ستنجح مسرحية بوتين السياسية؟!

اللافت أن عقوبات أوباما أتت في يوم انتصار‏ روسيا كصانعة «سلام» (!) بعد التوصل لاتفاق لوقف شامل لإطلاق النار في سوريا بين النظام والفصائل المعارضة، بضمانة روسية تركية.. وبذلك ترسم روسيا -وليس أمريكا- شرق أوسط جديد قبل 3 أسابيع من بدء رئاسة ترامب.

بوتين وترامب يراهنان على علاقات تنهي التصعيد والمواجهة وأجواء الحرب الباردة بين القوتين العظميين في العالم، المواجهة على رقعة شطرنج النفوذ والهيمنة، وليس ساحات الصراع الأيديولوجي، لذلك فلن تعمر هذه المواجهة نصف قرن كما حدث مع مواجهة الحرب الباردة الأولى..

لكن ترامب سيواجه حملة شرسة وناقدة لتقاربه مع روسيا على حساب مصالح أمريكا، خاصة أن المؤسستين العسكرية والاستخبارية الأمريكيتين تصنفان روسيا باعتبارها التهديد الأول للولايات المتحدة. فكيف سيتصرف ترامب؟ وهل يؤدي دهاء بوتين وقلة خبرة ترامب إلى إمالة الكفة لصالح روسيا؟!

* د. عبدالله خليفة الشايجي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | الاتحاد الظبيانية