السبت 7 يناير 2017 05:01 ص

أيام قليلة باتت تفصل الكيان الصهيوني وطموحاته التوسعية على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني على أرضه المحتلة، وبين تحويل هذه الطموحات إلى واقع مع تولي الرئيس المنتخب دونالد ترامب مهامه الرئاسية رسمياً يوم 20 من يناير/ كانون الثاني الجاري، رغم الصدمة القوية التي أحدثها إصدار مجلس الأمن الدولي لقراره التاريخي رقم 2334 يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول الفائت، والذي يدعو إلى وقف الاستيطان.

لكن الحكومة «الإسرائيلية» تعوّل على الرئيس الأمريكي المنتخب وإدارته ليس فقط لإجهاض هذا القرار واحتوائه، بل ولفرض تغيير تاريخي في مسار إدارة القضية الفلسطينية.

رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، عبر عن «وجود فرصة» مع إدارة ترامب ل «إحداث تغيير تاريخي» عقب لقائه مع كل من يوسي كوهين رئيس الموساد ويعقوب نغيل القائم بأعمال مستشار الأمن القومي بعد عودتهما من زيارة قاما بها إلى واشنطن بتكليف شخصي منه لإجراء لقاءات مع أركان إدارة ترامب شاركهما فيها السفير «الإسرائيلي» في واشنطن رون درمر، حيث التقى هؤلاء مع العديد من رموز الإدارة الجديدة، وبالأخص الجنرال مايكل فلين المرشح للأمن القومي في هذه الإدارة.

ونقلوا إلى نتنياهو خلاصة هذه اللقاءات وبالذات ما يتعلق بسياسة ترامب إزاء مستقبل الأزمة السورية ومحورية حماية المصالح «الإسرائيلية» في سوريا، وفي مقدمتها احتواء أي نفوذ لإيران و حزب الله، إضافة إلى القدرات النووية الإيرانية، والموقف من القضية الفلسطينية وخاصة سياسة الاستيطان والتوسع «الإسرائيليين» في الضفة الغربية، ووعد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والموقف الأمريكي من سياسة «حل الدولتين».

هذه الخلاصات هي التي حمَّست نتنياهو للتفاؤل بإحداث ما يأمله من «تغيير تاريخي».

ما يزيد من طموحات نتنياهو وتفاؤله بإحداث هذا التغيير التاريخي أن تلك الأفكار التي نقلت إليه على لسان مستشار الأمن القومي الأمريكي في إدارة ترامب لها من يدعمونها أيضاً في هذه الإدارة وفي الكونغرس، وفي مقدمة هؤلاء ديفيد فريدمان السفير الأمريكي المرشح لسفارة الولايات المتحدة داخل الكيان الصهيوني.

ولاء فريدمان للكيان الصهيوني ولاء مزدوج، ولاء شخصي مكتسب وولاء عائلي موروث. فهو ابن الحاخام موريس فريدمان الذي ترأس «مجلس نيويورك للحاخامات» أي أنه نشأ تنشئة ولاء وانتماء للمشروع الصهيوني، وهو، في ذات الوقت عمل محامياً، وترأس منظمة «أصدقاء مؤسسات بيت إيل في أمريكا»، وهي منظمة أمريكية تدعم مستوطنة صهيونية بالقرب من رام الله بالضفة الغربية المحتلة.

لذلك فإنه عندما يعلن أن «حل الدولتين وهم» وأن لـ«إسرائيل» «الحق القانوني» في توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وعندما يقول أن «إسرائيل» عندما تبني في القدس «فإنها تبني في عاصمتها» يكون متسقاً تماماً مع رؤاه وأفكاره، وربما لذلك اختاره ترامب سفيراً له لدى الكيان الصهيوني. 

هناك أيضاً جهود كتلة من «اللوبيات» الصهيونية تدعم بنشاطها الراهن هذا الطموح لدى نتنياهو حيث بدأت هذه «اللوبيات» وخاصة «منظمة إيباك» و«منتدى السياسة «الإسرائيلي» و«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» وغيرها بعقد لقاءات مشتركة لمواجهة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الذي يدين الاستيطان، بهدف قطع الطريق على أي جهود محتملة لتفعيل هذا القرار. 

هذا يعني أن مسعى نتنياهو لإحداث «التغيير التاريخي» الذي يأمله لم يأت من فراغ، وأن فرصاً حقيقية مواتية تلوح في الأفق مع مجيء إدارة ترامب، لكن هذا لا ينفي أن هناك عقبات قد تحول، أو على الأقل قد تعرقل هذا الطموح، ويمكن رصد العديد من العراقيل التي قد تحبط تفاؤل نتنياهو إذا جرى تفعيلها من أبرزها:

الحديث الذي ورد على لسان ترامب نفسه كان عنوانه «الصفقة الشاملة» مع روسيا في الشرق الأوسط، تشمل الأزمة السورية، والحرب على الإرهاب، والقضية الفلسطينية، حيث يخشى «الإسرائيليون» من أن يمضي ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مسار إنجاز هذه الصفقة الأمر الذي قد يجدد قناعة ترامب وإدارته ب «حل الدولتين» وليس سياسة الضم ««الإسرائيلي»» للضفة الغربية و«شرعنة» الاحتلال.

هناك أيضاً القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن رقم 2334 بخصوص إدانة المستوطنات، فهذا القرار لم يأت من فراغ، فهو محصلة تفاهمات دولية وخاصة أوروبية- روسية- صينية حول مضمونه وتوقيته مع عدم استبعاد التنسيق مع إدارة باراك أوباما. هذا يعني أن للقرار من يؤيده ويحميه وقد يتحمس للدفاع عنه. كما أن هذا القرار في مضمونه يعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وهذا قد يعوق حماس ترامب لنقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس، ويعرقل دعم ترامب للتوسع الاستيطاني.

عراقيل مهمة لكن يبقى شيء مهم هو من سيتحمل مسؤولية مسعى تفعيل هذا القرار؟ هل ستقف الدول العربية داعمة للحكومة الفلسطينية إذا هي لجأت إلى محكمة العدل الدولية لشكوى «إسرائيل» بعدم تنفيذ القرار، أو دعمها في التصدي للإدارة الأمريكية الجديدة إذا هي مضت في تنفيذ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

السؤال مهم لأن إجابته هي مرتكز رهانات نتنياهو في إحداث «التغيير التاريخي» أكثر من تفاؤله بدعم ترامب.

* د. محمد السـعيد إدريس نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. 

المصدر | الخليج - الشارقة