الاثنين 9 يناير 2017 02:01 ص

من الثوابت المهمة في تاريخ وثقافة النظام السياسي الأمريكي سعي كل رئيس أمريكي من الرئيس الأول جورج واشنطن-حتى الرئيس باراك أوباما الرئيس الوحيد غير الأبيض الذي يصل للبيت الأبيض من بين 44 رئيسا، فكل رئيس أمريكي يبحث بجد عن كيف سيذكره ويخلده التاريخ-بناء على إنجازاته ونجاحه أو فشله. 

يودع الرئيس الأمريكي الذي صنع التاريخ باراك أوباما- البيت الأبيض في 20 يناير الجاري-بعد ثمانية أعوام ترأس الرئيس أوباما أمريكا التي تغيرت عما استلمها-مثخنة بالحروب والنزاعات والتخبط الكبير والحروب الاستباقية وحروب ثلاثة على الإرهاب وإسقاط نظامي أفغانستان والعراق -بوصفة«المحافظين الجدد»- الدموية الفاشلة، والتي لا يزال عالمنا العربي يسدد فواتيرها الباهظة خلال عقد ونصف من الدم والدمار والكوارث. 

وكما ورث أوباما حروبا ثلاثة من سلفه بوش الابن الذي وصف وتم تقويمه- بأنه واحد من أكثر الرؤساء الأمريكيين فشلا، والأقل شعبية بين الرؤساء الأمريكيين.

من الواضح أن أوباما نجح في الشأن الاقتصادي في توفير وظائف لملايين الأمريكيين، ولكنه فشل في رأب الصدع العرقي بين البيض والأقليات وخاصة السود-وكذلك في تغيير من الانقسام الأمريكي السياسي-حيث يرى ثلثا الشعب الأمريكي أن الولايات المتحدة تسير في الاتجاه الخاطئ، وسياسيا من خلال نتائج الاقتراع، والتصويت في انتخابات الرئاسة وخاصة الأخيرة-انقسام المجتمع الأمريكي كليا-حيث فازت كلينتون بحوالي 48% من أصوات الناخبين الأمريكيين-بينما فاز ترامب بحوالي 46% من أصوات الناخبين!

صحيح، ورث أوباما إرثا صعبا من سلفه بوش- على الصعيدين الخارجي الداخلي معا، تشمل الحروب المفتوحة التي شنها الرئيس بوش الابن- وأكبر أزمة مالية واقتصادية ضربت أمريكا والاقتصاد العالمي بعد أكبر أزمة مالية عالمية منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. المالية الكبيرة عام 2008-حسب آخر الإحصائيات نجح في إيجاد أكثر من 11.3 مليون وظيفة للأمريكيين- خلال أعوام حكمه الثمانية. 

بالمقارنة وللتدليل على نجاح أوباما- نجح بوش الابن في زيادة لـ2.1 مليون وظيفة خلال ثمانية أعوام من رئاسته. وكذلك وهذا يحسب للرئيس أوباما، أنه نجح في خفض عجز الميزانية من 10%-في أكتوبر 2009-إلى 4.7% اليوم.

لكن يؤخذ على أوباما، ويسجل في إرثه في الشأن الداخلي، فشله الكبير في ردم الهوة في الأزمة العرقية بين البيض والسود والأقليات، بل لقد زادت الفجوة، وتم استهداف السود من قبل رجال الشرطة البيض في عدة ولايات. كما تم الاعتداء على رجال الشرطة البيض، واستهدفوا وقتلوا عمدا من رجال سود!

واضح أن أوباما يورث دونالد ترامب- حروبا ممتدة ومفتوحة قديمة من أيام بوش(أفغانستان)، وجديدة كالحرب على تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، وكذلك مشاركة أمريكا العسكرية بريا عن طريق آلاف الخبراء والمستشارين لتحرير الموصل ثاني أكبر مدن العراق والرقة ودير الزور-معقل وعاصمة تنظيم «داعش» في سوريا. 

في الشأن الخارجي يبدو عجز وفشل الرئيس أوباما وإدارته صاعقا وجليا. تمسك الرئيس أوباما منذ انتخابه وحتى في حملته الانتخابية الأولى عام 2008-بأنه لن يكون رئيس حرب مثلما كان يفاخر الرئيس بوش الابن-وأنه انتخب لينهي الحروب المشتعلة، وليس ليبدأ حروبا جديدة. 

لكنه بدأ حربا بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة 65 دولة في عام 2014 على تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، تحت إستراتيجية -‏«Degrade and Defeat»- إضعاف وهزيمة داعش. ولكن بعد عامين ونصف من حملة «العزيمة الدائمة» ضد تنظيم «داعش»-لم تسقط الموصل ولم يتم تحرير الرقة عاصمتي «داعش» في العراق وسوريا. بالرغم من التدخل التدريجي ومشاركة أمريكا عسكريا في جبهتي العراق وسوريا.

وكما يفاخر الأسد ووزير خارجيته قبل أيام جميع الذين طلبوا رحيل الأسد رحلوا أو في طريقهم للرحيل.-كلينتون- كاميرون- أوباما وأولاند وغيرهم..يبدو أن الأسد والمعلم تناسيا أن هذه الدول تجري انتخابات حرة ونزيهة بعكس ما يجري في سوريا! 

لكن من يتحمل المسؤولية الكبرى على تفاقم مأساة سوريا هو الرئيس أوباما شخصيا، الذي رفض أكثر من 50 خطة لإسقاط نظام الأسد-وتراجع في اللحظة الأخيرة في صيف 2013 عن توجيه ضربات قاسية تضعف وتزعزع نظام الأسد بعد استخدامه السلاح الكيماوي ضد شعبه في غوطتي دمشق! مخترقا خط أوباما الأحمر، ورافضا لاحقا تزويد المعارضة المعتدلة بالسلاح لتغيير المعادلة على الأرض. 

وارتكاب خطأ إستراتيجي يكرره ترامب-بإضعاف المعارضة المسلحة، التي بالفعل تقاتل نظام الأسد، دون أن يترافق ذلك مع ضرب وإضعاف قوات الأسد. ويبدو أن توجه ترامب سيتسمر على النسق نفسه، فهو يرى بأن الأسد وروسيا وحتى إيران تقاتل الإرهاب-بينما يرى الأسد ترامب شريكا محتملا في قتال الإرهابيين!

وستكون مأساة ومعاناة سوريا كما علقنا مرارا الثقب الأسود في الشرق الأوسط النازف بحروب دموية وباردة وأهلية وبالوكالة وصراع قوى إقليمي ودولي على النفوذ والهيمنة، وستكون النقطة السوداء في سجل وإرث الرئيس أوباما الذي سيذكر التاريخ أن تردده وتراجعه عن اتخاذ القرارات الملائمة وتسويفه جرأ النظام في دمشق وأعوانه على تفسير ذلك بأنه ضوء أخضر لممارسة المزيد من التصعيد والقمع والقتل والتدخل، ودخول «حزب الله» وإيران وصعود «داعش» وتدخل روسيا لخلط الأوراق-وكل ذلك تحت لافتة وشعار كبير:«محاربة الإرهاب والإرهابيين والتكفيريين»! 

وصار مقبولا ممارسة إرهاب الدول والميليشيات تحت شعار وحجة محاربة الإرهاب! 

واضح أن مأساة سوريا كما سيكتب عنها أوباما في مذكراته والمؤرخون والخبراء السبب الرئيس لتلطيخ إرث أوباما بسبب تردده ومبدئه المحافظ ورفضه المواجهة، ما أقلق حلفاء أمريكا وأراح خصومها وحتى أعدائها!

* د. عبدالله خليفة الشايجي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | الاتحاد الظبيانية