السبت 14 يناير 2017 06:01 ص

كان للانتخابات البرلمانية الأخيرة في الكويت، والتي عقدت في 26 نوفمبر/تشرين الثاني، آثار كبيرة على مواطني الدولة الخليجية العربية. وعلى الرغم من أنّ الحكومة الكويتية قد أكّدت أن حلّ مجلس الأمّة الكويتي في أكتوبر/تشرين الأول كان نتيجةً لـ «ظروف المنطقة» والتحدّيات الأمنية، كان هذا التحرّك جزءًا من استراتيجية الحكومة، لخلق حالة من التوازن في البرلمان بين المعارضة والحكومة.

تشعر الحكومة بالقلق بشكل مبرر حول البيئة السياسية للبلاد. وكانت الأعوام بين 2006 و2013 مشحونة بالتوترات ذات الصلة بالخلل الوظيفي لمجلس الأمّة. وشهدت الشوارع احتجاجات متكررة بسبب الشلل الذي تشهده المؤسسات السياسية والاقتصادية في البلاد.

وعلى العكس، هيمن المجلس الموالي للحكومة منذ عام 2013 حين قاطعت قوى المعارضة الانتخابات البرلمانية. لكنّ إجراءات تقليص دعم الوقود قد أثار استياء شرائح واسعة من المجتمع. ومنذ سبتمبر/أيلول ارتفع سعر البنزين الممتاز بنسبة 83% (إلى 0.55 دولار للتر)، والمتوسط بنسبة 62% (إلى 0.35 دولار)، والعادي بنسبة 42% (إلى 0.28 دولار)، وهي أول تخفيضات على الدعم خلال 50 عامًا من التحكّم في الأسعار.

والغاز المدعوم هو واحد من أقدم الامتيازات التي يتمتّع بها الكويتيون، وهو رمز هام لرفاهية الدولة. علاوة على ذلك، فإنّ العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين في الكويت يستند إلى توقّع إنفاق اجتماعي أكثر رفاهية. ووفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي عام 2011، قفز حجم الدعم الإجمالي من 2.6 مليار دولار في 2005 إلى 11 مليار دولار عام 2010. وقفزت المرتبات والأجور من 6.9 مليار دولار عام 2005 إلى 13 مليار دولار عام 2010. وارتفعت مرتبات القطاع العام والدعم بنسبة 540% بين عام 2001 إلى عام 2011. ولا توجد دلائل ملموسة أنّ هذه الزيادات سيتم تخفيضها.

والسياق مهم هنا. يجب على المرء تجنّب مقارنة خفض الدعم مع سياسات الليبرالية الجديدة التي اتّبعتها بعض الدول، بما في ذلك السعودية. ومن المبكر جدًا التنبؤ بالتأثير على المدى الطويل لارتفاعات أسعار البنزين. لكن على المدى القصير، فالكويت في وضعٍ جيد للتخلّص من انخفاض أسعار النفط، حيث أنّ انخفاض تكاليف إنتاجها وصندوق ثروتها السيادي المستقر سيخفّفان من أي تحوّلات اقتصادية على المدى الطويل.

خارطة المعارضة

والأهم من ذلك، فإنّ انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني تبين بوضوح معارضة كبيرة من الناخبين لإجراءات خفض الدعم التي أقرّها المجلس الأخير. فالإقبال على هذه الانتخابات وصل إلى 70% من الأصوات من بين (483 ألف رجل وامرأة كويتيين) وفقًا للمصادر الرسمية. في حين لم تبلغ نسبة الإقبال في انتخابات المجلسين السابقين سوى 40%.

وقد فازت المعارضة وحلفاؤها بـ 24 من بين 50 مقعدًا في انتخابات مجلس الأمّة الكويتي، ومن بينهم 6 شخصيات عامّة معارضة قادوا الاحتجاجات في الشوارع عام 2011. وشهد المجلس 13 وجهًا جديدًا من السياسيين، من بينهم 4 مدعومين من قبل مجموعات ليبرالية جديدة مختلفة، و9 يمثّلون مجموعات قبلية. وكان هناك 62% من التغيير عن المجلس السابق، وقع الجزء الكبير منه في المناطق المعارضة.

وليس من المستغرب بشكلٍ خاص، مع ذلك، أن تقل مقاعد الأقلية الشيعية من 9 مقاعد إلى 6 في الكيان التشريعي. فالآن المقاطعة قد انتهت، وقد تسبّبت زيادة عدد المرشحين الشيعة في تفتيت الأصوات وإضعاف الكتلة الانتخابية. وفشل اثنان من بين ثلاثة وزراء شيعة في الفوز من جديد في المجلس.

ويقود المعارضة الإسلاميين السنّة وفي القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين ممثلين بالحركة الدستورية الإسلامية (ICM). وفي حين يشغل ممثلون عن الفصائل الإسلامية المختلفة حوالي نصف مقاعد المعارضة، إلّا أنّ وحدتهم ليست بالقوة التي كانت عليها قبل مقاطعة عام 2013. فقد أحدثت المقاطعة تصدّعات في عدد من الكتل السياسية الإسلامية في الكويت، وقد حدثت العديد من الانشقاقات وصعدت العديد من الوجوه الجديدة التي قد تضعف من تماسكهم السابق.

وتنقسم الحركات السياسية الإسلامية في الكويت بين مرشحين موالين للحكومة وعدد من الاتجاهات الأكثر نشاطًا ومنهم مرشحي المعارضة من الشباب. علاوة على ذلك، فإنّ صعود المرشحين السلفيين المستقلين، يدل على الفشل في ضم السلفيين إلى الكتل المختلفة.

صعود الشباب وتراجع القبائل البارزة

والأهم في هذا البرلمان هو صعود الشباب، الذين يمثّلون الآن ثلث مقاعد المجلس. 4 منهم تحت سنّ الأربعين عامًا. وواحد من المرشّحين الشباب، «عبد الوهاب البابطين» من الدائرة الثالثة، حقّق نجاحًا كبيرًا، حيث اعتلى قمة الدائرة بين عدد من المرشحين الكبار. وأبدى عدد من النواب الشباب اندفاعهم الشديد نحو البرامج الإصلاحية والمقاومة للفساد. ويعدّ تأثير الشباب في السياسة الكويتية ظاهرة جديدة. وسوف تلعب هذه الظاهرة دورًا كبيرًا في التأكيد على اتجّاه برز في العشر سنوات الأخيرة مع صعود الشباب المتعلّم جيدًا في كافّة الطبقات الاجتماعية.

وكانت القبائل الثلاثة المهيمنة، العوازم والمطيري وعجمان، هي الأقل تمثيلًا. وجمعت القبائل الثلاثة معًا 7 مقاعد فقط، وكانوا سابقًا يكسبون عادةً ما بين 15 و18 مقعدا. وبسبب «قانون الصوت الواحد» الجديد حاولت القبائل الكبيرة التركيز على مرشح واحد ودعم القبيلة، لكنّ تلك الاستراتيجية فشلت بشكلٍ سيء. وبدلًا من ذلك، استفادت القبائل الأصغر مثل العنزي والشمري.

وفيما يتعلق بالقضايا الطائفية في الكويت، فلا يمكن قياسها بما يحدث في المنطقة. فالأقلية الشيعية في الكويت قد تمّ احتواؤها وفتح المجال العام لهم دون تهميش، ولا يمكن بحال مقارنتهم بحالات في دول أخرى مثل البحرين والسعودية، التي يحدث بها التوتّرات والأزمات بين السنة والشيعة. وبدلًا من ذلك تتركز قضايا التمييز والتقسيم بين البدو والحضر، ويتّضح ذلك من الصعود المستمر للإسلاميين القبليين والمعارضة الشبابية من المناطق الخارجية.

البرلمان الجديد

وللأسف الشديد، يبدو البرلمان الحالي كأنّه تكرار للدورات التي سبقت عام 2013، والتي تسبّبت في الاستقطاب والشعبوية وشلل البرلمان. وتوجد إشارتان على ذلك.

الأولى، كان التنافس على مقعد رئيس الحكومة مؤشّرًا على سلوك الحكومة القادمة. وفاز رئيس الحكومة السابق، «مرزوق الغانم»، بدعم النواب المنتخبين وغير المنتخبين. وانطلقت الانتقادات ضدّه في وسائل التواصل الاجتماعي، تتهمه، كواحد من أغنى عائلات الكويت، بالفساد ومحاباة الحكومة. ويبدو أنّ علاقته لن تكون لطيفة مع نواب المعارضة.

وتتعلق الإشارة الثانية بتعيين أعضاء محدّدين في مجلس الوزراء. توجد 7 وجوه جديدة، ومنهم وزير النفط الجديد، لكن إعادة تعيين رئيس الوزراء الشيخ «جابر مبارك الصباح»، الذي تقلّد المنصب منذ أواخر عام 2011، وهي خطوة تأتي ضدّ دعوات التغيير التي يقودها عدد من نوّاب المعارضة، إضافة إلى حقيقة أنّ أنس الصالح أيضًا بقي وزيرًا للمالية، رغم المعارضة القوية لسياساته المالية التي شملت تخفيض الدعم، وهو ما يشير إلى استمرار برنامج التقشّف الحالي.

ومن المتوقّع أن تقاوم المعارضة إلى حدٍّ كبير أي تخفيضات في الميزانية وكذلك اتّجاهات الخصخصة. وعلاوة على ذلك، ستحاول المعارضة على الأرجح الدفع باتّجاه التراجع عن تخفيض دعم الوقود الذي قرّره المجلس السابق. ومن المتوقع أن تؤدي الفجوة المتزايدة بين الحكومة والمعارضة إلى نفس نمط الاستجوابات أو التهديد بجلسات الاستجواب التي أدّت إلى سقوط المجالس الأخرى قبل عام 2013.

إنّ الانتخابات الجديدة قريبة بالفعل، ويعتقد أن تقام في منتصف عام 2017، وفقًا للعديد من المراقبين المحليين. ومع ذلك، فلا يبدو أنّ الدورة التالية ستختلف كثيرًا عن فترات المعارضة السابقة. وعلى الأرجح ستتفاقم التوتّرات. وفي هذه المرحلة، ستتجمّد الحالة السياسية للكويت على الوضع الراهن وستنكفئ على القضايا الداخلية على حساب القضايا الإقليمية والدولية. وحتّى تتفق الحكومة والمعارضة على مجلس وزراء وقاعدة سياسية ترضي الطرفين، يمكن أن تستمر هذه الدائرة لسنوات عديدة. والحدث الهام في الأفق هو صعود الشباب الكويتي ومشاركتهم القوية في سياسات الدولة. والزمن وحده كفيل بإثبات ما ستجلبه تلك الظاهرة.