الجمعة 20 يونيو 2014 10:06 م

محمود الريماوي، العربي الجديد، 21/6/2014

لم يحتج الأمر إلى اجتياح تنظيم داعش الموصل ومناطق أخرى في محافظة صلاح الدين، بعقوبة (60 كيلومتراً عن بغداد)، وحتى مناطق داخل العاصمة، كي يكيل «نوري المالكي» اتهامات للرياض بأنها تدعم هذا التنظيم، فقد سبق للمالكي، وفي مناسبات مختلفة، أن شن حملات على الدبلوماسية السعودية، تزامنت مع حملاتٍ مماثلة في الاتجاه نفسه، للحكم في دمشق، وكذلك من طرف حزب الله على الرياض. حتى ليبدو أن هدف طهران في هذه المرحلة هو تطويق الرياض، بما تمثله من ثقل سياسي وروحي و.. نفطي.

هذه الحملات المتّسقة لمحور إيران في المنطقة، تأتي في سياق سياسة إيرانية، تزداد تبلوراً، فحواها ومرماها التقرّب من الغرب (من دون تنازلات جوهرية في الملف النووي)، تحت شعار مكافحة الإرهابيين والتكفيريين، ووضع النزاع مع الاحتلال الإسرائيلي جانباً، والسعي إلى عزل المملكة العربية السعودية، سياسياً ودبلوماسياً (وبدرجة أقل دولة قطر)، في ما يشبه استحضار أجواء 11 سبتمبر/ أيلول 2001 التي تم فيها اتهام 19 سعودياً بتفجير البرجين في مانهاتن، وشُنّت فيها حملات أميركية وغربية على الرياض.

تركيز الحملات على السعودية يفيد طهران، من وجهة نظر مسؤوليها، في عدة أمور:

- صرف الأنظار عن ولوغ النظام الإيراني (الحرس الثوري) وميليشياته العراقية واللبنانية في استباحة سورية والتنكيل بشعبها، والإيحاء بأن المعركة تدور مع جماعات تكفيرية تتلقى دعماً مزعوماً من الرياض. وبما يوفر فرصة لتعويم النظام في دمشق وفك العزلة الدولية عنه.

ـ منح حزب الله فرصة للمزيد من الاستقواء في الداخل اللبناني، لفرض ما يسميه هذا الحزب بـ«مرشح قوي»، من دون تحديد طبيعة هذه القوة المفترضة لدى صاحبها، وفي اتجاه يُنتظر استخدامها، والمرشح المقصود هو العماد «ميشال عون»، رئيس التيار الوطني الحر، المطواع في يد حزب الله، وإشاعة انطباع خلال ذلك بأن أي مرشح يختاره فريق 14 آذار وتيار المستقبل بالذات، أو يتم التوافق عليه مع هذا الفريق وهذا التيار، قد يكون مرشحاً «سعودياً» يمالئ التكفيريين أعداء الغرب وأعداء إيران الإسلامية!

ـ صرف الأنظار عن رعاية طهران ميليشيات عراقية ولبنانية، تنقض وجود الدولة في البلدين، وتحوز على مختلف أنواع الأسلحة، وتهدد النسيج الاجتماعي فيهما، وترمي إلى سلب الزعامات السياسية السنية أي ثقل وأي حضور وازن في الحياة العامة اللبنانية والعراقية، واختزال التكفير والإرهاب في مجموعات سنية متطرفة، «ترعاها الرياض».

ـ التقليل من مخاطر الملف النووي الإيراني، والتركيز على أن الخطر الوحيد الذي يهدد المنطقة ودولها وشعوبها، في هذه الآونة، يتمثل في مجموعات جهادية متطرفة يمكن لها أن تحوز على أسلحة دمار شامل، ويمتد نفوذها بين مشرق العالم العربي ومغربه، وإلى خارج حدود العالم العربي إلى أفغانستان ومالي والصومال، ويظل امتلاكها خلايا نائمة في دول الغرب أمراً وارداً، وأن ضم إيران، واقعياً، أسوةً بإسرائيل، إلى نادي الكبار النووي، يشكل ضمانة للسلم والاستقرار وإبعاداً لشبح أية مواجهة مع إسرائيل. وفي جميع الأحوال، فإن إقصاء دول الخليج، والسعودية بالذات، عن الملف النووي الإيراني أمر لا بد من استمراره.

ـ محاولة عزل السعودية عن بقية دول الخليج العربية، مع استمرار التقرّب من دول خليجية أخرى: الكويت، سلطنة عمان. علماً أن التعامل الإيراني مع الدول الخليجية فرادى هي سياسة إيرانية ثابتة، لإضعاف مجلس التعاون الخليجي، والتقليل من وزنه الإقليمي، وحتى إنكار وجوده.

ـ هناك بعدئذٍ الملف النفطي، وإيران، كالعراق، منتجة رئيسية وعضو مؤسس في «أوبك»، فإذا ما جرى توافق غربي ـ إيراني على رفع مزيد من العقوبات المفروضة عن طهران، وعزل السعودية بالتدريج، فإن طهران (وتتبعها بغداد)، كفيلة بمراعاة المصالح الغربية النفطية.

لم تجر مرة واحدة البرهنة على علاقة بين مجموعات متطرفة والرياض التي ما انفكت تخوض حرباً أمنية مفتوحة في الداخل مع هذه المجموعات. هذا من دون استبعاد أن تتمتع بعض هذه المجموعات بدعم فردي من أشخاص خليجيين، ولدرجة ينضم معها بعض هؤلاء الأشخاص إلى هذه المجموعات، ويضعون كل ما يملكون في خدمتها، وهؤلاء مطاردون من السلطات في بلادهم. هناك سلفيون في المجتمع السعودي يبثّون فكراً سلفياً ضد «الروافض»، كما أن هناك متشددون قوميون وطائفيون في طهران يبثّون على الملأ، وفي واضحة النهار، فكراً فارسياً وطائفياً ضد «أتباع يزيد».

الفوضى الأمنية التي تعيشها سورية والعراق واليمن نتيجة التغوّل الإيراني في هذه الدول العربية، وما يظهر على سلوك مسؤولين إيرانيين من انتشاء وتباهٍ لما أصبحوا يتمتعون به من أذرع طويلة في هذه الدول، مقروناً بحملات مكثفة على الرياض، واستهداف سياسي وإعلامي لها، يكاد يؤشر إلى وجهةٍ قد تأخذها التطورات المرتقبة قبل نهاية العام الجاري. فللسعودية حدود طويلة مع العراق تزيد عن 800 كيلومتر، وحدود أطول مع اليمن الذي يشهد انتشاراً للحوثيين، ذراع إيران، فضلاً عن العلاقات التي تنسجها طهران مع بعض تيارات الحراك الجنوبي.

والأهم من ذلك ما تتيحه سيولة انتقال الجماعات والأسلحة والأموال من إمكانات، مع وجود ما لا يحصى من مجموعاتٍ، هنا وهناك، قابلة للاختراق أو التوظيف استخباراتياً، كحال «داعش» الذي نسج معه النظام في دمشق، بمعرفة طهران، علاقة مديدة (قبل أن يضطر النظام لتوجيه أسلحته إلى هذا التنظيم في الرقة، وعلى الحدود مع العراق بعدما خرج هذا التنظيم في العراق عن كل حدود مرسومة له)، والتي يسعها ارتكاب عمليات واستدراج ردود فعل وإيجاد بيئة توتير للسعودية.

قبل أسابيع، كان يجري الحديث عن دعوة سعودية لوزير الخارجية الإيرانية لزيارة الرياض، وقد تم قبولها نصف قبول من طهران. من الواضح في هذه الغضون أن الكلمة العليا في تقرير النفوذ الخارجي الإيراني هي للحرس الثوري والمرجع المرشد، وليست للدبلوماسية أو لرئاسة الجمهورية، فالرئيس «حسن روحاني» أعرب عن عزم الإيرانيين على الدفاع عن العتبات المقدسة في العراق، كما فعل من قبل السيد «حسن نصر الله» بإعلان الدفاع عن مقام السيدة زينب في دمشق، وتسخير المقدس لأغراض دنيوية توسعية هو ممّا يحفل به التاريخ البعيد والقريب لمنطقتنا.