الثلاثاء 14 فبراير 2017 05:02 ص

من كان يتصور أنه قبل أن يكمل الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب شهره الأول في البيت الأبيض سيمسح كلياً ثمانية أعوام من سياسة سلفه أوباما المهادنة والمجاملة لنظام الملالي؟ بما فيها أربع رسائل سرية للمرشد الأعلى الذي أعطى الضوء الأخضر للتفاوض مع «الشيطان الأكبر»، تحت مبررات تقديم «التنازلات البطولية»! فماذا يعني ذلك؟

والحال أن تقارب ومهادنة أوباما مع إيران كان بإيعاز ورضا المرشد الأعلى. وتُوج ذلك بتوقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1) بقيادة الولايات المتحدة، مقابل غض النظر عن سلوك إيران ومشروعها التوسعي بلباس طائفي، واستمرار التدخل في شؤون الدول العربية القريبة والبعيدة من إيران.

والآن وضع ترامب طهران تحت الرقابة، وحذرها من اللعب بالنار، هذا فضلاً عن فرض عقوبات على 13 شخصية و12 كياناً رسمياً ضالعين في برنامج إيران الصاروخي ودعم الأنشطة الإرهابية، وخاصة أن ترامب وإدارته قد وصفا إيران بأنها هي الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم! 

وصنف أيضاً مستشاره للأمن القومي الجنرال مايك فلين الحوثيين -حلفاء إيران- إرهابيين، وأمر ترامب المدمرة الأميركية «كول» بالقيام بأعمال الدورية في باب المندب، رداً على استهداف الحوثيين للفرقاطة السعودية، في رسالة واضحة لهم ولحلفائهم في الداخل والخارج معاً.

وفي المكالمة الهاتفية بين الرئيس ترامب والملك سلمان بن عبدالعزيز، أكد الزعيمان على ضرورة التصدي لتصرفات وسلوك إيران المهدد للأمن والاستقرار في المنطقة.

وقد بدأ التصعيد الأميركي ضد نظام الملالي خلال حملة ترامب الانتخابية واصفاً الاتفاق النووي بـ«الكارثي»، منزعجاً من سيطرة إيران على العراق، منتقداً «انسحاب الولايات المتحدة من العراق دون أن تسيطر على النفط العراقي.. ولعلنا نفعل ذلك في المرة القادمة»!. كما استمر في تكرار أن إيران هي الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم.

ثم أتت تجربة إيران لصاروخ باليستي في 29 يناير الماضي لتقرر إدارة ترامب وضع إيران تحت الرقابة، ومنع مواطنيها - مع مواطني 6 دول عربية - من دخول الولايات المتحدة زائرين أو لاجئين أو مهاجرين لمدة لا تقل عن 90 يوماً! وكان رد المرشد الأعلى غاضباً ولم يسمِّ ترامب بالاسم، ولكنه أعلن أن الرد سيكون من قبل الشعب الإيراني في احتفال يوم الثورة في 10 فبراير.

وزاد عليه مستشاره علي ولايتي الذي قال عشية الذكرى الـ38 للثورة إن ترامب لن يقوى على عمل شيء، ووصلت الجرأة بولايتي إلى أن يكرر خطاب إيران‏ قبل 3 عقود لأميركا بالمطالبة بانسحابها من الشرق الأوسط. وحذر أن أي اعتداء عسكري أميركي سترد عليه إيران في حلفائها بقسوة! مؤكداً أن تهديدات ترامب لن تدفع إيران لتغيير سياساتها في المنطقة. 

واستمر ولايتي في خطاب التحدي في رسالة للداخل الإيراني، وحلفاء طهران في المنطقة، بالتأكيد أن إيران ستواصل تطوير برنامجها الصاروخي وقدراتها العسكرية الدفاعية. وأكد أن العقوبات والتهديدات الأميركية غير مجدية، وفرض أميركا عقوبات على «الحرس الثوري» ووضعه على لوائح الإرهاب، لن يثني «الحرس الثوري» عن متابعة دعمه للعراق وسوريا و«حزب الله» في لبنان. ولم يفوت ولايتي الفرصة لمهاجمة شخصية ترامب، فوصفه بـ«عديم الخبرة» وبأنه «يتبنى سياسة هوجاء».

لكن بعكس ما كان متوقعاً لم تُصعّد إيران في احتفالاتها بالذكرى الثامنة والثلاثين للثورة الإيرانية، بل تمحورت ردودها حول الحرب الكلامية. وغابت لغة التهديد والوعيد، وابتعدت طهران الرسمية والعسكرية ممثلة بـ«الحرس الثوري» عن لغة التصعيد، وحتى عندما وصف رئيس الحرس الثوري محمد علي جعفري أميركا بـ«النمر الورقي» سارعت وكالات الأنباء الإيرانية لحذف تلك الصفة. 

كما غاب استعراض الأسلحة البالستية التي طالما كانت هي أهم معالم الاستعراض العسكري في ذكرى الثورة! وألغت إيران أيضاً، كما تعتقد الولايات المتحدة، إطلاق صاروخ «سفير» الباليستي، بعدما نقلته من منصة الإطلاق قبل أيام من ذكرى الثورة، حسب ما كشفته صور الأقمار الصناعية الأميركية!

والشاهد أن إيران تصرفت‏ بعقلانية مدروسة في يوم الثورة، ولم تتجاوز الخطوط الحمراء، على رغم خطاب التحدي! وسمح النظام بترديد الشعارات وحرق العلم الأميركي والدوس على صور ترامب، ولكن بقي التصعيد لفظياً فقط، وللمرة الأولى يحمل المتظاهرون لافتات تفرّق بين النظام والشعب الأميركي!

وقد وصف أيضاً الرئيس حسن روحاني في احتفالات ذكرى الثورة ترامب بـ«المبتدئ» و«الناشئ في عالم السياسة»! وطالبه بالحديث بأدب مع إيران!

وعلق: «في أميركا بعض المبتدئين وصلوا للسلطة وشعبنا موحد وسيقف في وجههم»! وتحول يوم ذكرى الثورة إلى فرصة للتهجم الشعبي، أكثر من الرسمي، على ترامب. ورددوا الشعار المفضل الذي خفت بريقه وغاب صداه: «مركـ بر أميركا»، أي «الموت لأميركا». واللافت أنها قد تكون المرة الأولى التي كُتب فيها الشعار باللغات الفارسة والعربية والإنجليزية!

وواضح الآن أن سياسة حافة الهاوية بين إدارة ترامب وإيران ستتصاعد، وقد تكون المواجهة الأميركية الأولى ضد إيران في اليمن ضد الحوثيين، ولكن أكبر تصعيد سيكون بتصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية، وتطبيق بنود التصنيف وتعقب قياداته، وعدم السماح لهم بأي دور خارج إيران، وهكذا تثبت إدارة ترامب جديتها.

في المجمل سيبقى سقف المواجهة ضمن سياق التصعيد وتحجيم دور إيران الإقليمي والصاروخي، ولن يصل لمواجهة مباشرة، إلا أن المتضرر الرئيسي من سياسة حافة الهاوية هو إيران بعزوف الشركات الأجنبية الكبرى، وخاصة شركات الطاقة والمستثمرين، عن التعامل معها. 

لعل أول ذلك قرار شركة «توتال» الفرنسية العملاقة التي تراجعت عن الاستثمار في تطوير حقل للغاز في إيران، بانتظار رفع الولايات المتحدة العقوبات. وبالتأكيد ستتبع شركة «توتال» شركات أخرى.. وتستمر المواجهة بفصول جديدة!

* د. عبد الله خليفة الشايجي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت.

المصدر | الاتحاد الظبيانية