الأحد 19 فبراير 2017 12:02 ص

نجحت إيران، دون قصد، في أن تفرض نفسها رقماً صعباً على أجندة جدول أعمال أول لقاء جمع بن رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب. لم تكن إيران في حاجة إلى إطلاق الصاروخ الباليستي الذي أطلقته قبل أقل من أسبوعين من لقاء نتنياهو مع ترامب (15/‏2/‏2017) كي تشعل نيران غضب الرئيس الأمريكي ضدها، فهو ومنذ بدايات حملته الانتخابية، اختار الاتفاق النووي الذي وقّعته واشنطن و«مجموعة دول 5+1» مع إيران عنواناً رئيسياً لتلك الحملة، وليحدد موقعه السياسي في العلاقة مع «إسرائيل»، لكن إطلاق هذا الصاروخ كان فرصة نتنياهو لتصعيد المواجهة مع إيران عبر الرئيس الأمريكي، وتصوير إيران على أنها ليست فقط «أبرز دولة داعمة للإرهاب» حسب توصيفات ترامب، ولكنها أخطر دولة تهدد السلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. 

فقبيل المغادرة إلى واشنطن (13/‏2/‏2017) أعلن نتنياهو عزمه على «قيادة التحالف التاريخي بين البلدين لصالح المصلحة»«الإسرائيلية»«الوطنية»، مؤكداً أن هناك تشاركاً في الرؤية بينه وبين الرئيس الأمريكي بشأن التهديدات الكبيرة في المنطقة، ولكن أيضاً بشأن الفرص التي تكمن فيها. كما أكد نتنياهو أن «التهديد الإيراني سيكون على رأس برنامج لقائه مع ترامب»، مشدداً على أنه «حتى لو كان ذلك على حساب البناء في المستوطنات». دافع نتنياهو لذلك هو إدراكه بوجود قيود قد تعوق قدرة ترامب أو ميله الطبيعي للاندفاع في المسار الذي تريده «إسرائيل».

هذا التحفظ كان مثار مناقشات «إسرائيلية» ساخنة وبالذات بالنسبة لكيفية تطوير الفكرة التي تحدثت عنها صحيفة «وول ستريت جورنال» منذ ما يقرب من أسبوعين، في تقرير نشرته تحت عنوان «إدارة ترامب تسعى إلى دق إسفين بين روسيا وإيران»، أوردت فيه نقلاً عن مصادر في إدارة ترامب ومسؤولين أوروبيين وعرب، أن واشنطن تسعى إلى استكشاف السبل من أجل تفكيك التحالف الدبلوماسي والعسكري بين روسيا وإيران. كما أوضحت الصحيفة في تقريرها أن «هذه السياسة ترمي إلى التوفيق بين تعهدات ترامب بتحسين العلاقات مع الرئيس الروسي من ناحية، وتحدي النفوذ العسكري لإيران من ناحية أخرى».

فكرة تفكيك التحالف الروسي مع إيران ليست جديدة، ربما تكون تكراراً لفكرة مشابهة طرحت ابتداءً من عام 2005 كانت ترمي إلى تفكيك التحالف السوري مع إيران، عبر أطراف عربية فشلت في أداء المهمة، ثم عبر الوسيط التركي الذي كاد أن ينجح، خصوصاً بعد أن حصل على وعد أمريكي بتقديم «إغراء ثمين» للرئيس بشار الأسد هو الحصول على هضبة الجولان كاملة مقابل تفكيك التحالف مع إيران. 

هذه المحاولة التي كان بطلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كادت أن تنجح لولا أن جناحاً «إسرائيلياً» رافضاً بقيادة «إيهود أولمرت» رئيس الحكومة حينذاك انقلب على الاتفاق وأسقطه عندما شن عدوانه العنيف على قطاع غزة (ديسمبر 2008- يناير 2009)، الأمر الذي أدى إلى تردي علاقات تركيا ب«إسرائيل»، وصدام أردوغان مع شمعون بيريز الرئيس «الإسرائيلي» الأسبق في مؤتمر ديفوس الاقتصادي العالمي.

هذه الخبرة يريد «الإسرائيليون» استدعاءها الآن، لكن لا أحد يتحدث عن المقابل الذي يمكن أن تحصل عليه روسيا أولاً كي تقبل بتفكيك تحالفها مع إيران، وما الثمن الذي سيحصل عليه الرئيس الأسد هو الآخر مقابل السماح بخروج إيران من سوريا، ومن سيدفع هذه الأثمان، هل هي الولايات المتحدة وبالتحديد الرئيس دونالد ترامب الذي يتعامل في السياسة كما يتعامل في المقاولات ؟ أم «إسرائيل» مستعدة لدفع هذه الأثمان كاملة أو بالتضامن مع واشنطن؟

عاموس هرئيل المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس» أجاب عن هذه الأسئلة بتحفظ قائلاً، إن سعي ترامب لدق إسفين في التحالف المتنامي بين إيران وروسيا وإقناع الأخيرة للعمل جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة للحد من نفوذ طهران «لن يكون بالأمر السهل»، مشيراً إلى أن فرص نجاح هذه السياسة «ضعيفة جداً»، نظراً لعمق التعاون، إن لم يكن التحالف العسكري والدبلوماسي بين موسكو وطهران، خاصة في سوريا التي هي محور اهتمامات البلدين، رغم وجود خلافات بينهما حول إدارة ملف حل الأزمة السورية، وفي القلب منها موقع الرئيس الأسد، وحدود النفوذ الإيراني في سوريا، لكن الأهم هو إشارة هرئيل إلى أن الرئيس ترامب نفى في تصريح لصحيفة «إسرائيل اليوم» القريبة من نتنياهو أنه يريد عزل إيران عن روسيا، ورفض التعليق على إمكانية العودة إلى نظام العقوبات الدولية ضد طهران. 

هذا التعقيد دفع عاموس يدلين رئيس معهد أبحاث الأمن القومي «الإسرائيلي» إلى تذكير نتنياهو بضرورة العمل بالتوصيات التي قدمها المعهد عند لقائه مع ترامب، وبالذات التوصية الداعية إلى دفع الرئيس الأمريكي إلى توقيع اتفاقيات مع الحلفاء الإقليميين، من شأنها أن تمهد لعقد مؤتمر إقليمي بمشاركة الولايات المتحدة ودول عربية و«إسرائيل»، تحت هدف مشترك هو «إقامة جبهة إقليمية لمواجهة التهديدات الإيرانية والتقدم في عملية السلام».

مثل هذه الجبهة خيار آخر بديل، من وجهة نظر عاموس يدلين، طالما أن خيار تفكيك التحالف الإيراني الروسي يبدو عصياً عن التحقيق، لكنه خيار محكوم هو الآخر بإرادات أطراف أخرى لها مصالحها ولها أهدافها التي قد تفرض عليها التحسّب لتداعيات انخراطها في مثل هذا الخيار.

* د. محمد السعيد إدريس باحث ونائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

المصدر | الخليج - الشارقة