الثلاثاء 14 مارس 2017 08:03 ص

على رغم نظر مؤسسات الدولة العميقة في الولايات المتحدة، من الحزبين الرئيسيين ومؤسسات الخارجية والدفاع والاستخبارات، إلى الرئيس دونالد ترامب على أنه يأتي من خارج المؤسسة الحزبية، وبصفته متمرداً وناقداً لها، كما ظهر في حملته الانتخابية، وخلال شهرين تقريباً من رئاسته، وعبر مواقفه وتصريحاته وأوامره التنفيذية وحتى تغريداته على موقع «تويتر»، فهو يسعى بشكل واضح لنسف جميع إنجازات سلفه أوباما في السياق الداخلي بإلغاء قانون أوباما للرعاية الصحية وغيره من القرارات والأوامر التنفيذية. 

في الشأن الخارجي بـ«تصحيح» ما يعتبره الفوضى التي ورثها عن سلفه، وخاصة في الشرق الأوسط وبالأخص كارثة حرب العراق وتسليمه على طبق من ذهب لإيران، وخسارة آلاف الجنود الأميركيين. وفوق ذلك مغادرة العراق دون أخذ نفطه! كما يصف ترامب أيضاً حرب إدارة أوباما على الإرهاب بالحرب الفاشلة.

لذلك وضع ترامب أولوية لإدارته في الشرق الأوسط هي هزيمة تنظيم «داعش»، واحتواء إيران وأذرعها، والاتجاه نحو عسكرة السياسة الخارجية الأميركية، بإرسال المزيد من القوات الأميركية إلى العراق وسوريا، وحتى 1000 جندي احتياط للكويت، ما يُعطي الكويت أهمية في استراتيجية الولايات المتحدة، ولإعطاء القادة العسكريين المزيد من المرونة في الحرب على «داعش»، واستغلال الفرص ومواجهة التحديات. 

ضمن هذا التوجه أيضاً شن غارات ضد تنظيم «القاعدة» في اليمن، تجاوزت الأربعين غارة في أسبوعين، وهو أكثر مما شنه أوباما على مواقع «القاعدة» خلال عام! كما يتجه ترامب أيضاً لزيادة عديد القوات الأميركية في أفغانستان.

وكأنه يقول لأوباما إنه قد اتبع سياسة انعزالية وانكفاء أضرا بمصالح أميركا. ولكن مع ذلك، لم تتبلور بشكل واضح بعد تفاصيل سياسة ترامب في الشرق الأوسط، ولذلك فهو يدعو الـ65 دولة التي تقاتل «داعش» لاجتماع في واشنطن في 23 من هذا الشهر. واليوم يطالب قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط وقائد المنطقة الوسطى الجنرال جوزيف فوتيل، أمام الكونغرس، بالإبقاء على القوات الأميركية في سوريا والعراق لسنوات طويلة، حتى بعد هزيمة «داعش».

و‬كان ‬الرئيس ‬الأميركي ‬تيدي ‬روزفلت ‬في ‬مطلع ‬القرن ‬العشرين يستشهد ‬بمثل ‬من ‬غرب ‬أفريقيا: «‬تحدث ‬بدبلوماسية، ‬ولكن ‬احمل ‬معها ‬عصا ‬غليظة»‬! في ‬رسالة ‬ودلالة ‬على ‬تقديم ‬الدبلوماسية ‬على ‬العمل ‬العسكري ‬لتحقيق ‬الأهداف ‬والحفاظ ‬على ‬المصالح ‬الأميركية، ولكن ‬إذا ‬لم ‬تنجح ‬الدبلوماسية ‬فهناك ‬أيضاً عصا ‬أميركا ‬الغليظة ‬والقوية.. وهذا ‬كان، ‬إلى ‬حد ‬كبير، ‬هو خط ممارسة ‬السياسة ‬الخارجية ‬والأمنية لدى ‬أوباما ‬خلال ‬سنواته ‬الثماني ‬في ‬البيت ‬الأبيض.

أما سياسة ترامب فهي نقيض تلك السياسة المهادنة، وهي أقرب إلى «تكلم بتشدد واحمل عصا غليظة» في الوقت نفسه، مع تهميش الدبلوماسية والتلويح بالعصا الغليظة. ويبدو ذلك بتهميش وزير الخارجية نفسه ريكس تليرسون، الذي يأتي من خلفية القطاع النفطي ويفتقر لأي خبرة في السياسة والعلاقات الدولية باستثناء علاقته الدولية المرتبطة بالنفط وخاصة مع روسيا بصفته كان الرئيس التنفيذي لشركة إيكسون- موبيل، أكبر شركة نفط في العالم.

والتهميش الواضح لوزارة الخارجية ووزير الخارجية نفسه من الملاحظات التي تثير بعض القلق، ومن اللافت غياب وزير الخارجية أحياناً عن كثير من الأنشطة، وعدم مشاركته في لقاءات ترامب مع قادة الدول. وقيامه بزيارة واحدة منذ تسلمه الوزارة، كانت إلى أوروبا. وعدم إجرائه أية مقابلات إعلامية مع الصحافة ووسائل الإعلام الأميركية والأجنبية. ورفضه الرد على أسئلة الصحافيين حول روسيا والصين. 

كما رفض وزير الخارجية أيضاً اصطحاب الصحافيين والإعلاميين معه في طائرته خلال زيارته القادمة إلى اليابان وكوريا الجنوبية والصين. ومن اللافت أيضاً عدم تقديم إدارة ترامب مرشحين للمناصب القيادية في وزارة الخارجية، بما في ذلك نائب الوزير ومساعدوه للمناصب الرئيسية في الوزارة. وآخر تطور أثار الكثير من الأسئلة حول غياب وزارة الخارجية، بشكل محرج، هو عدم علمها بوجود وزير خارجية المكسيك في واشنطن في الأسبوع الماضي! وما إذا كان سيجتمع مع نظيره الأميركي.

أما التطور الآخر الذي يثير الكثير من القلق فهو اقتراح ترامب -المهووس بجعل أميركا عظمية مجدداً- زيادة الإنفاق العسكري الأميركي «العصا الغليظة»، حيث تصل ميزانية وزارة الدفاع إلى نحو 600 مليار دولار، أي ما يعادل 36% من الإنفاق العسكري العالمي. ومع ذلك يطالب ترامب بزيادة ميزانية الدفاع بنسبة 10% أي 54 مليار دولار تُخصم من ميزانيات الشؤون الاجتماعية والصحية وحتى الخارجية والمساعدات العسكرية والإنسانية!

وقد خفض ميزانية وزارة الخارجية والمساعدات الخارجية بحوالي 37% على رغم مطالبة حتى العسكر، وبعض المشرعين في مجلسي النواب والشيوخ، بعدم المساس بها لأهميتها للأمن القومي الأميركي، فيما لا يبدو ترامب مقتنعاً بذلك لأنها، في نظره، مثل حمل عصا صغيرة! 

بينما هو يفضل حمل عصا غليظة والتحدث بلغة قوية! وهذا يُنذر بمغامرات ومواجهات وأزمات وتبدل تحالفات، ومواجهة قادمة مع إيران وأذرعها قد تلوح في الأفق! والأخطر‏‭ ‬أن يفتقد‭ ‬لاستراتيجية‭ ‬متكاملة‭ ‬بعيدا‭ ً‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬لتحقيق‭ ‬حلول‭ ‬سياسية‭!

* د. عبد الله خليفة الشايجي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت. 

المصدر | الاتحاد الظبيانية