الاثنين 20 مارس 2017 03:03 ص

يبدو أن إدارة ترامب ماضية في عسكرة سياسة أمريكا الخارجية وتهميش دبلوماسيتها، وقد استمر الرئيس الأمريكي في هذا النهج خلال الأيام الماضية، مؤكدا تصميمه على زيادة ميزانية وزارة الدفاع إلى مستويات قياسية، لتصل إلى 639 مليار دولار بزيادة 52 مليار دولار عن العام السابق. وهذا يعطي الولايات المتحدة العصا الغليظة التي يلوح بها الرئيس دونالد ترامب، بقدر ما يهمش جزرة الدبلوماسية التي كان أوباما يلوح بها خلال السنوات الماضية.

والتطور المهم في الأسبوع الماضي كان في الحفاوة التي لقيها الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع رئيس اللجنة الاقتصادية والمشرف على رؤية المملكة 2030، في الولايات المتحدة، والمباحثات الناجحة التي أجراها مع ترامب ووزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس ومدير الاستخبارات المركزية، والاتفاق على التعاون في مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد والطاقة ومواجهة أنشطة إيران المزعزعة للأمن في الشرق الأوسط.

يأتي هذا بعد التباين والخلافات الكبيرة بين الولايات المتحدة والسعودية في عهد إدارة أوباما، مقابل التقارب مع إيران عن طريق الاتفاق النووي وغض النظر عن سلوكها وزعزعتها للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ما مكن طهران من السيطرة على أربع عواصم عربية. هذا فضلا عن موقف الكونجرس الأمريكي أيضا بتمرير قانون «جاستا» على رغم رفضه من قبل أوباما. وهو قانون فهم أنه يستهدف السعودية والدول العربية بالدرجة الأولى.

وكان الأمير محمد بن سلمان أشاد في ختام زيارته المهمة لواشنطن، وبعد اجتماعه مع ترامب ووزير الدفاع، بنتائج الزيارة وبالعلاقات التاريخية والاستراتيجية بين البلدين، مؤكدا أن ذلك سيساهم في تمتين وتعزيز العلاقات الثنائية وأوجه التعاون على مختلف الأصعدة.

وأصدر البيت الأبيض أيضا بيانا بعد الاجتماع المهم في البيت الأبيض بين الأمير محمد بن سلمان وترامب، أكد فيه على أهمية توثيق العلاقة الاستراتيجية لتحقيق المصالح المشتركة في جميع المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والثقافية والاجتماعية لمصلحة البلدين، وتمتين الشراكة المرتكزة على الالتزام بأمن ورخاء منطقة الشرق الأوسط. 

وتوسيع التشاور لتعميق العلاقات التجارية والاستثمارات والتعاون في مجال الطاقة. وأكد ترامب وولي ولي عهد السعودية أيضا على أهمية التصدي لأنشطة إيران المزعزعة للأمن الإقليمي. والتزام البلدين بالتعاون في مجالات الأمن والتعاون العسكري المستمر والتصدي لتنظيم «داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى التي تهدد جميع الأمم. والحزم في التزام إيران بتطبيق الاتفاق النووي. وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثمارات وأمن الطاقة.

وأكد الأمير محمد بن سلمان في لقائه مع وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، (الذي ينظر لإيران بريبة، ويفضل أيضا عدم خفض ميزانية وزارة الخارجية والمساعدات الخارجية)، على أهمية التعاون الأمني والعسكري، وأن «السعودية في الخطوط الأمامية في مواجهة الأنشطة العدائية للنظام الإيراني الذي يدعم المتطرفين والإرهابيين في المنطقة وفي مختلف أنحاء العالم». كما تعهد أيضا بأن السعودية مستعدة للقيام بكل ما يمكنها لدحر الإرهاب، وحتى المساهمة في العمليات العسكرية في سوريا.

والسؤال المهم: هل هناك استراتيجية أمريكية- سعودية في الالتقاء والالتفاف حول القضايا الاستراتيجية التي تهم الطرفين وتعود عليهما بالفائدة المشتركة، وخاصة بعد تأكيد ولي ولي العهد السعودي بأن المملكة تواجه تهديدا من إيران ومن المليشيات التي تدعمها ومن المنظمات الإرهابية، ما يجعل موقف كل من السعودية وأمريكا متطابقا كليا.

والسؤال، مرة أخرى: هل يشكل التقارب السعودي الأمريكي تحولا جذريا في مقاربة إدارة ترامب لقضايا الشرق الأوسط، وخاصة تجاه إيران، وتفعيل المواجهة ضد الإرهاب بكل أصنافه وأنواعه ومذاهبه وخلفياته؟

هل سيساعد ذلك على تشكيل شراكة أمريكية- سعودية، وينتقل بالعلاقة إلى المستوى الاستراتيجي بما يشمل القضايا الأمنية والدفاعية والاقتصادية والاستثمارية وشؤون الطاقة للمساعدة على إيجاد ملايين فرص العمل في السعودية والولايات المتحدة عن طريق «رؤية المملكة 2030»؟

لقد تغير المزاج في واشنطن عما كان عليه من مهادنة لطهران في عهد إدارة أوباما، وهو ما يشكل نقلة تقلق إيران، حيث يكرر ترامب وقيادات إدارته في كل مناسبة التأكيد على الحاجة إلى التصدي لأنشطة إيران المزعزعة للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما لا تراه إيران التي تقدم خدماتها للغرب بدعوى أنها، مع أذرعها، هي رأس الحربة في الحرب على الإرهاب!

وقد أتى الرد باتهام إدارة ترامب لإيران «بدعم العمليات الإرهابية في البحرين بالمال والسلاح والتدريب»!

لكن كل هذه المواقف، على أهميتها وتحولها عن استكانة وانكفاء إدارة أوباما، قد لا تعني الكثير، إذا لم تتحول إلى استراتيجية متكاملة تردع إيران وتجمد مشروعها الإقليمي، مثلما تم تجميد برنامجها النووي، وعلى نحو يغير سلوكها وسلوك حلفائها أيضا! 

لذلك فمن الأفضل ألا نستعجل برفع سقف التوقعات من ترامب شخصيا ومن إدارته، حتى تتبلور استراتيجيته ومواقفه وهو يكمل شهرين بعد تسلمه الرئاسة. كما أن ترامب أيضا عبارة عن لغز لا يمكن لأحد توقع أو التنبؤ بما قد يقدم عليه.. 

وذلك حتى لا نحبط، لأن أولويته هي الشؤون الداخلية الأمريكية، والصراع ضد الدولة العميقة و«الديمقراطيين».

هذا مع الإقرار أيضا بأن هناك الكثير من المشترك بيننا وبين ترامب يمكن توظيفه في معادلة ربحية للطرفين. ولكن ينبغي ألا تغيب عنا أهمية التعامل مع ترامب بمفهوم الصفقات وعقلية رجل الأعمال وليس رجل دولة!

* د. عبد الله خليفة الشايجي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | الاتحاد الظبيانية