الخميس 30 مارس 2017 03:03 ص

بدلا من تنصيبه على رأس واحدة من المؤسسات البحثية والعلمية الكبرى بالبلاد نظرا لتميزه العلمي والأكاديمي، صار الاقتصادي والقانوني الإماراتي البارز الدكتور «ناصر بن غيث» على رأس قائمة طويلة تضم بجواره نخبة من المتميزين في مجالاتهم وأصحاب الرأي والفكر، ولكنهم مغيبون في السجون يعانون انتهاكات آلة القمع الأمنية.

«بن غيث» المفكر والأكاديمي الصادر بحقه حكم بالسجن 10 سنوات أمس الأربعاء، بتهمة هزلية تتعلق بانتقاده على حسابه بموقع التدوينات «تويتر» للسلطات المصرية والإماراتية، صار أحدث ضحايا آلة القمع الإماراتية التي تلاحق كل صاحب رأي بمجرد محاولته التعبير عن رأيه بأي شكل كان.

حكم لاقى انتقادات حقوقية عديدة على المستويين الإقليمي والدولي، ولما لا وهو يتعلق بواحد من الخبراء المتخصصين في القانون الاقتصادي والذين يعدون على أصابع اليد في منطقة الشرق الأوسط عامة وليس في الإمارات وحدها.

فـ«ناصر بن غيث» الحاصل على ليسانس الحقوق عام 1995 من أكاديمية شرطة دبي، قاده طموحه للحصول على ماجستير القانون الدولي بجامعة «كيس ويسترن ريزيرف» في كليفلاند الأمريكية عام 2002، وبعدها حصل على دكتوراة في التجارة الدولية والقانون الاقتصادي الدولي  القانون بجامعة «Colchester, Essex» البريطانية عام 2007.

بعد التأهيل العلمي، عمل «بن غيث» كخبير في الشؤون الاقتصادية الدولية ومحاضر سابق بجامعة «السوربون» الفرنسية فرع أبوظبي، ليكون أول إماراتي على مدار التايخ يحاضر في تلك الجامعة، حيث برع في تخصصه ليذيع صيته في الإمارات ومن بعدها في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وأيضا في المحافل الدولية.

لم يتوقف النهم العلمي لـ«بن غيث» عند هذا الحد، ولكنه درس أيضا مجال التكتلات الاقتصادية، وحاول إفادة بلاده في هذا المجال، فكان أول من تنبأ بالأزمة العقارية منذ عام 2006، كما عارض سياسة الإمارات الاقتصادية بخصوص الاندفاع العقاري وغيرها من السياسات غير المدروسة، كما كان له رأيا مخالفا في توصيف التنمية الاقتصادية في دول الخليج، التي قال عنها في أحد مقالاته «إن ما يعتبر زورًا أو جهلًا تنمية اقتصادية ما هو إلا هدم للدولة وأركانها وتبديدًا لثرواتها المادية والبشرية وربما استعجالًا لثورة شعوبها».

الغريب أن السلطات الإماراتية التي تقمع «بن غيث» وتسجنه وتنكل به اليوم هي نفسها التي استعانت به في وقت سابق، نظرا لكفاءته، وعينته كمستشار قانوني للقوات المسلحة بالدولة، كما عمل في مجال المفاوضات على العقود الدفاعية مع الدول الموردة من الغرب.

الملاحقة والاعتقال

بمجرد أن بدأ الأكاديمي والاقتصادي البارز يعبر عن رأيه، تحول في وجهة نظر السلطات الإماراتية، إلى مجرد رقم من قائمة طويله يتم تغييبها والتنكيل بها سواء في السجون أو في إماكن الإخفاء القسري التي عاني منها «بن غيث» نفسه لمدة 9 أشهر.

وبدأت مضايقة ثم ملاحقة «ناصر بن غيث» منذ أن شرع في الاهتمام بمجال الدعوة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان بالإمارات، ومطالباته العديدة لرئيس الدولة وولاة العهد في الإمارات بإجراءات تعزز الديمقراطية في البلاد كإقامة انتخابات مباشرة لمجلس الدولة الوطني الاتحادي ومنحه سلطات تشريعية حقيقية وعدم الاكتفاء بكونه هيئة استشارية، ولكن هذه المطالبات لم يجد لها صدى دائما.

مطالبات بدأت تتبلور وتلقى صدى واسع مع موجة الربيع العربي التي اجتاحت عدة بلدان عربية آنذاك، حيث أبدى الأكاديمي البارز معارضته علانية لسياسات الإمارات في دعم الثورات المضادة في العالم العربي.

ولكن الرد كان سريعا من قبل السلطات الإماراتية القمعية، حيث جرى اعتقاله في أبريل/نيسان 2011 واتهم في قضية «النشطاء الخمسة»، وذلك بعد توقيعه عريضة تطالب بالإصلاح في الإمارات، ووجهت له اتهامات حينها بالتحريض والتآمر على الدولة بالتعاون مع جهات أجنبية وإهانة رئيس الدولة ونائبه وولي عهده.

وفي تلك القضية نال «بن غيث» حكما بالسجن عامين في نوفمبر/تشرين ثاني 2011 لكن المحكمة خففت الحكم في اليوم التالي وأفرج عنه بعد قضاء 7 أشهر في الحبس على ذمة القضية.

وخلال فترة حبسه سرب الأكاديمي البارز رسالة من داخل محبسه نشرتها منظمة «هيومن رايتس ووتش» آنذاك، وأكد فيها تعرضه للتعذيب الشديد من قِبل الأمن وهو ما أدى به إلى رفض المثول أمام المحكمة التي حكمت عليه بالسجن لمدة سنتين.

ويبدو أن السلطات الإماراتية أخطأت عندما ظنت لبعض الوقت أن التنكيل بـ«بن غيث» قد يثنيه عن طريق المطالبة بالإصلاح، وهو خطأ برهنه الأخير بالفعل عندما استمر في مطالباته وانتقاداته للسياسات القمعية والمناهضة لثورات الربيع العربي.

وكان «بن غيث» على موعد مع اعتقال جديد في أغسطس/آب 2015، وهو الاعتقال الذي جاء عقب تغريدتين الأولى كانت في الذكرى الثانية لفض اعتصام رابعة العدوية بالقوة في مصر ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال الآلاف، حيث رفض تلك الخطوة واتهم الإمارات بشكل ضمني بالضلوع في الخطوة.

 في ذات الشهر انتقد منح حكومة أبوظبي للهند قطعة أرض لبناء «معبد» هندوسي في سابقة هي الأولى خليجيا وعربيا وإسلاميا، أثارت سخط شعبي وخليجي عارم، عندما قال في تغريدة له: «يبدو وأن جماعتنا يفهمون التسامح خطأ».

وتعرض «بن غيث» للاخفاء القسري مدة 9 أشهر بعد اعتقاله في 17 أغسطس/آب 2015، ولم تسمح له السلطات الإماراتية برؤية محام، ولم تبلغه بالتهم الموجهة إليه حتى الجلسة الثانية من محاكمته في مايو/أيار 2016، التي اشتكى فيها للقاضي بأنه تعرض للتعذيب رهن الاحتجاز.

وبدأت محاكمة «بن غيث» في المحكمة الاتحادية العليا في أبوظبي يوم 4 إبريل/نيسان 2016، وفي ديسمبر/كانون الأول 2016 أعاد القاضي القضية إلى محكمة الاستئناف الاتحادية.

وبالأمس، قضت محكمة الاستئناف الجنائية الاتحادية، بسجنه 10 سنوات، بسبب انتقاده السلمي على موقع التدوينات «تويتر» للسلطات المصرية والإماراتية، واتهامه بمخالفة قانون «مكافحة الإرهاب» في البلاد.

ووصفت منظمة العفو الدولية الحكم بأنه انتهاك لحرية التعبير.

واستنكرت المنظمة على لسان نائب مدير البحوث في المكب الإقليمي للمنظمة، «لين معلوف الحكم»، وأشارت إلى أن من يتحدث في الإمارات يخاطر بنفسه لنيل عقوبة شديدة، بحسب صحف إماراتية محلية.

وقالت «معلوف»: «بفرض هذا الحكم السخيف ردا على تغريداته السلمية فإن السلطات لا تدع مجالا للشك: من يجرؤ على التحدث بما يدور في خلده بحرية في الإمارات اليوم يخاطر بعقوبة شديدة».

وكانت ائتلاف من 10 منظمات لحقوق الإنسان دعا سلطات الإمارات قبل يوم من محاكمته للإفراج فورا ودون قيد أو شرط عن الدكتور «ناصر بن غيث».