الأحد 2 أبريل 2017 02:04 ص

قواعد اللعبة تتغير في سوريا وبالتحديد بين النظام السوري وحلفائه، خاصة إيران، وبين «إسرائيل»، هذا الاستنتاج «إسرائيلي» فرض نفسه بعد صدمة قادة الكيان من تجرؤ الجيش السوري على الرد بالصواريخ، حتى ولو كانت من النوع غير المتطور، ضد الطائرات «الإسرائيلية» التي استهدفت موقعاً عسكرياً بالقرب من مدينة تدمر فجر الجمعة (17/3/2017).

فعلى مدى ست سنوات مضت تقريباً، اعتاد الطيران «الإسرائيلي» أن يوجه ضربات ضد أهداف «منتقاة» في العمق السوري، خاصة المنشآت العسكرية، وما اعتاد الإعلام «الإسرائيلي» على وصفه ب«قوافل نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله» في لبنان. خلال تلك السنوات شنت «إسرائيل» أكثر من 20 غارة استهدفت نقل أسلحة نوعية إلى حزب الله، إضافة إلى توجيه ضربات جوية وأرضية - تكتيكية، ساعدت من خلالها منظمات المعارضة في حربها ضد الجيش السوري. 

خلال تلك السنوات اختار النظام السوري الرد بالصمت، لأنه لم يشأ أن يفتح جبهة صراع جديدة مع «إسرائيل» في الوقت الذي كان يجد نفسه فيه عاجزاً عن مواجهة تنظيمات المعارضة، كما أنه كان حريصاً على عدم إعطاء «إسرائيل» مبرراً للتدخل العسكري الواسع لتغيير معادلة توازن القوة لمصلحة المعارضة. هذه المرة هي الأولى التي يرد فيها الجيش السوري، وهذا هو «اللغز» الذي شغل «الإسرائيليين» على مدى الأسبوعين الماضيين.

كانت هناك مجموعة من الأسئلة المهمة أبرزها: هل هذا الرد السوري بالصواريخ على الطائرات «الإسرائيلية» التي أسقطت إحدى طائرات التجسس، باعتراف رسمي «إسرائيلي»، كما أجبرت الدفاعات الجوية «الإسرائيلية» على الرد بصاروخ من طراز «أرو» (السهم) المضاد للصواريخ لإسقاط صاروخ سوري، وصف بأنه «باليستي»، محض رد سوري، أم بدعم تقني من الحليف الروسي؟

وهل هذا الرد السوري يتضمن قراراً مدعوماً من الحليفين الإيراني وحزب الله بفتح جبهة صراع ضد «إسرائيل»؟

العجز عن الإجابة أعطى انطباعاً سلبياً مفاده أن انتقال الجانب السوري من موقف المتلقي للضربات من دون ردود، إلى موقف المبادر بالرد علامة، أو مؤشر على وجود إدراك سوري بأن «إسرائيل» لن تذهب بعيداً في تهديداتها، رغم ما صدر من تهديد قوي على لسان وزير الحرب أفيغدور ليبرمان الذي هدد بأن «إسرائيل» ستدمر أية دفاعات سورية تتصدى للطائرات «الإسرائيلية» في مرات قادمة، وأن عامل الردع «الإسرائيلي» افتقد أهم مكوناته.

ولعل هذا ما دفع «يوسي ميلمان» المعلق العسكري لصحيفة «معاريف» إلى اعتبار حادث إطلاق الجيش السوري صواريخه على الطائرات «الإسرائيلية»، وإسقاطه طائرة استطلاع من دون طيار، بأنه «الحادث الأخطر منذ بدء الحرب في سوريا قبل ستة أعوام»، لكن الأهم من ذلك أن «ميلمان» خلص في تحليله للعلاقة بين هذا الحادث وبين زيارة بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة «الإسرائيلية» إلى موسكو مؤخراً، أن «الرد السوري أثبت أن تأثير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خيارات نظام الأسد والجيش السوري غير مجدية».

هذه هي القضية الجوهرية، فقد ذهب نتنياهو ليؤكد للقيادة الروسية أن «إسرائيل» بدافع من مصالحها الأمنية، ترفض تمكين إيران من بناء قاعدة عسكرية بحرية في اللاذقية، تحسباً من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز قوة «حزب الله»، وتقصير مدى الرماية الصاروخية الإيرانية ضدها، كما أنه كان حريصاً أيضاً على تأكيد الإصرار على منع إيران و«حزب الله» من تأسيس جبهة مواجهة عسكرية ضد «إسرائيل» على الجانب السوري من هضبة الجولان.

وعندما عاد نتنياهو من تلك الزيارة كان متحسباً جداً في إعلان النتائج، وكان الانطباع العام أن ما طلبه لم يلق حماساً لدى القيادة الروسية، ما يعني أن روسيا ليست صاحبة كلمة مطلقة في الشأن السوري، وأن واقعاً جديداً أخذ يفرض نفسه ميدانياً، مفاده أن إيران موجودة على الأرض السورية، وأن هذا اعتبار لا تستطيع روسيا تجاهله.

علاوة على ذلك، وحسب فهم «إليكس فيشمان» المعلق العسكري في صحيفة «بديعوت أحرونوت»، فإن «إيران، على ما يبدو ليست هي المشكلة في سوريا، بل هي جزء من الحل، لذلك فإن إيران تحظى الآن بحصانة روسية».

هذا الاستنتاج توصل إليه «فيشمان» من قراءته لنتائج اللقاء الأخير بين نتنياهو وبوتين. فاللقاء، من وجهة نظره «لم يثمر عن النتائج المرجوة. فقد حاول نتنياهو إقناع روسيا بالامتناع عن القبول بإقامة الميناء العسكري الإيراني في اللاذقية، لكنه فشل. ونقل عن موظفين في وزارة الخارجية الروسية قولهم «نحن أيضاً أقمنا ميناء ً بحرياً».

رد يكشف مدى تجاهل الروس للمخاوف «الإسرائيلية» من إقامة هذا الميناء العسكري الإيراني على حدود المتوسط، والخلاصة أن روسيا باتت توصف في التقييم «الإسرائيلي» بأنها «من النوع الذي يحب نفسه، وأن «إسرائيل» بالنسبة إليهم هي جندي آخر في الشطرنج، وليست بالضرورة من مجموعتهم».

هل لهذا السبب أراد نتنياهو أن يصدم روسيا، وأن يشن غارات طائراته في منطقة قريبة من تمركز قوات روسية، وأنه أراد أن يؤكد أن «إسرائيل» لن تقبل أن تكون لاعباً مستبعداً، وأنه «لن تحدث أي تسوية في سوريا من دون إسرائيل»؟

ربما، لكن البعض يرى أن الأمور أصعب من ذلك، وعلى رأسهم البروفيسور «عوزي رابي» رئيس «مركز دايان» الذي يرى أن واقعاً جديداً يفرض نفسه، وأن إيران في طريقها إلى أن تصبح «دولة جوار» بالنسبة لـ«إسرائيل»، شاءت هذه الأخيرة أم أبت. استنتاج شديد الخطورة ربما يقلب كل معادلات الأمن «الإسرائيلية» رأساً على عقب، وأن تجد «إسرائيل» نفسها مضطرة إلى مزيد من التورط في الأزمة السورية.

* د. محمد السعيد إدريس نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

المصدر | الخليج - الشارقة