الاثنين 10 أبريل 2017 03:04 ص

شكلت الضربة العسكرية العقابية، فجر الجمعة 7 أبريل/نيسان 2017، نقطة تحول مهمة في مواقف الرئيس دونالد ترامب وإدارته من بشار الأسد وحلفائه -روسيا وإيران- وأتى ذلك بعد أقل من أسبوع من تصريحات أمريكية من الرئيس ووزير الخارجية ريكس تيلرسون والمندوبة الدائمة في الأمم المتحدة نيكي هايلي، حيث أكد ترامب وأركان إدارته أن الأسد جزء من الحل لمواجهة وهزيمة تنظيم «داعش»، وأن الشعب السوري هو من يقرر مستقبل الأسد، وأن إقصاءه ليس أولوية.

وكان هذا هو الخطاب الرسمي الأمريكي في الأيام الأولى من شهر أبريل، ولكن في 7 منه انقلبت إدارة ترامب على نفسها، مؤكدة أنه لا مستقبل للأسد في سوريا، وأنه قد أصبح مجرم حرب، حيث ارتكب جريمة حرب باستخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه. وتداعى العالم تنديدا بجريمة الحرب هذه، بينما وصف إعلام الأسد وحلفائه، وعلى رأسهم روسيا وإيران، العملية العسكرية الأمريكية بـ «العدوان» و«الاعتداء»، ووصلت بهم الأمور لوصف ترامب بأنه شريك تنظيم «داعش»! 

وهو الذين كانوا يفاخرون ويتسابقون لتقديم أوراق اعتمادهم لديه في الحرب على الإرهاب، هذا مع أن العملية العسكرية، كانت هي الخيار الأقل مجازفة، وتبدو يتيمة وتأديبية، وليست تحولا استراتيجيا، ولا تهدف حتى لإضعاف نظام الأسد، دعك من إسقاطه!

وربما فاجأت هذه الضربة الكثيرين، لصدورها عن رئيس أمريكي أتى من خارج المؤسسة الحاكمة منتقدا الدولة العميقة، ويحمل هموم المواطن الأمريكي والشأن الداخلي في الأساس، متعهدا بجعل أمريكا عظيمة مجددا، وبإعطاء الأولوية للأجندة الداخلية، فإذا به في أول أزمة خارجية بعد سبعين يوما في البيت الأبيض، يغامر ويبادر بتغيير مواقفه بنسبة 180 درجة، بشن عملية عسكرية محدودة بـ 59 صاروخ توماهوك، لتدمير منشآت قاعدة الشعيرات في وسط سوريا التي انطلقت منها مروحيات النظام السوري في 4 أبريل/نيسان 2017، لتقصف بلدة خان شيخون في ريف إدلب في البلاد..

ما نجم عنه مقتل 86 مدنيا، بينهم 26 طفلا، بسبب استخدام غاز السارين القاتل الممنوع دوليا، وهو ما يرقى إلى جريمة حرب. وكانت ردود الفعل، الداخلية والخارجية، إيجابية ومؤيدة للضربة العسكرية، ولأول مرة أشادت قيادات الحزبين الجمهوري والديمقراطي بالعملية العسكرية، وكذلك العديد من قادة الدول حول العالم.

وواضح الآن أن الأسد وحلفاءه في حالة من الصدمة، وذلك ليقينه بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شبه تخلى عنه، ولم يحمه باعتراض صواريخ «توماهوك» بمنظومة ‏S-400 الدفاعية، كما كان يتوقع بعد مجزرة الكيماوي في خان شيخون. ولم ينتقد بوتين الضربة العسكرية الأمريكية، بل ترك ذلك لرئيس الوزراء مدفيديف!

والحال أن النظام السوري وحلفاءه يكذبون عندما ينكرون الحقيقة بأن النظام هو من أطلق قنابل غاز السارين، ولم يقتنع أحد بروايتهم وتبريرهم بأن القصف استهدف مستودعا لـ«جبهة النصرة» التي يدعون أنها كانت تخزن غاز السارين! وهذا ما دحضته أجهزة الاستخبارات وصور الأقمار الصناعية الأمريكية التي كشفت عن خط سير الطائرات السورية وإلقائها القنابل التي تحمل غاز السارين.

بل إن الضربة الأمريكية لم تدمر مدرجي مطار قاعدة الشعيرات، بل المقاتلات والمخازن والرادارات. والدليل أنه بعد يوم من قصف القاعدة، عادت المقاتلات لتقلع وتقصف مواقع المعارضة! وزاد عليها النظام بشن غارات بقنابل النابالم الحارقة المحظور استخدامها، في ريف حماة، وكأن شيئا لم يكن!

لكن تداعيات الضربة العسكرية الأمريكية أدت لإعادة المأساة السورية في عامها السابع إلى صدارة أحداث العالم، من جديد، وكشفت وعرت النظام وحلفاءه، خاصة روسيا وإيران اللتين يبدو أنهما تقفان بمفردهما مدافعتين عن مجرم حرب.

وحلفاء الأسد شركاء معه في جرائمه كما علقت نيكي هايلي، السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة، في انتقاد قاس وواقعي لدور الحلفاء. وقد أعادت هذه الضربة العسكرية أمريكا لدور الزعامة والقيادة العالمية، وسط ترحيب دولي شمل العديد من الدول الفاعلة، ورحبت بالتحول الأمريكي الكثير من الدول، بما في ذلك الدول الخليجية بشكل فردي، ومجلس التعاون الخليجي جماعيا، الذي رحب بيانه بالضربة العسكرية الأمريكية في سوريا على «أمل أن تردع نظام الأسد لوقف جرائمه».

وقد برزت نيكي هايلي السفيرة الأمريكية، باعتبارها المسؤولة الأكثر تشددا في إدارة ترامب، بتوجيه سهام الانتقاد للأسد وروسيا وإيران، حيث ما فتئت تكرر أن الوضع تغير بعد الضربات الأخيرة، وأن الأسد لم يعد يتمتع بالحصانة، وأن أمريكا مستعدة لتوجيه المزيد من الضربات، إذا دعت الضرورة إلى ذلك.

وأن الأسد ليس المجرم وحده، فإيران تدعم الأسد منذ سنوات طوال. وكذلك دخل السفير البريطاني في الأمم المتحدة في تلاسن مع المندوب الروسي، مذكرا إياه بأن استخدام روسيا «الفيتو» 7 مرات لحماية الأسد، شجعه على استخدام السلاح الكيماوي! وكذلك سارع وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون لإلغاء زيارته لموسكو على خلفية موقفها من سوريا. بينما لم تُلغ زيارة وزير الخارجية الأمريكي! وواضح أن نظام الأسد، ومعه روسيا وإيران، يشعرون الآن بنوع من العزلة الدولية!

وفي المجمل، فإن مآلات نجاح الضربة العسكرية الأمريكية في بلورة تحول في مقاربة الولايات المتحدة تجاه المأساة السورية، تقاس باستثمار هذا الدعم العالمي الواسع لها، لتتحول من الموقف التكتيكي إلى استراتيجية متكاملة مع الحلفاء للدفع نحو حل سياسي ومعاقبة الجناة ومجرمي الحرب.

ولكن الخشية ألا تستثمر إدارة ترامب الضربة العسكرية، وألا تكون مكونا من استراتيجية متكاملة لإنهاك وتحجيم الأسد ومحاكمته مع جماعته، وتحجيم حلفائه أيضا في الداخل والخارج، ووقف موجات اللاجئين، إذا لم يحدث ذلك، وهذا مؤسف ومعيب، فستكون هذه الضربة العسكرية أقرب للاستعراض، وإظهارا للقوة، وصرفا للأنظار عن الصراع الأمريكي الداخلي!

ولن تؤدي لإنهاء المأساة وتنهي معاناة شعب طال عذابه! وقتل منه نصف مليون! وشُرد نصفه، وتجرع من صنوف المعاناة ما يفوق كل وصف وخيال!

* د. عبد الله خليفة الشايجي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | الحياة