الاثنين 24 أبريل 2017 05:04 ص

كما أوضحنا من قبل في العديد من المقالات منذ انتصار الرئيس دونالد ترامب غير المتوقع في انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر الماضي، فهذا الرئيس الجديد أتى من خارج المؤسسة الحاكمة والدولة العميقة في واشنطن المعروفة أميركياً باسم ‏Establishment بمؤسساتها السياسية والحزبية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية والإعلامية. وفوق ذلك فقد أعلن ترامب أيضاً حربه على تلك المؤسسات، وحارب كل من لا يتفق مع أجندته حتى ضمن قيادات حزبه بما فيهم رئيس مجلس النواب بول رايان، الذي اضطر لدعمه على مضض، والوقوف معه في إلغاء واعتماد قانون رعاية صحية ينسف أحد أهم إنجازات الرئيس السابق أوباما وهو قانون «أوباماكير»، ومحاولة استبداله بقانون جديد ثبت حتى الآن فشل الجمهوريين في تمريره، وعدم قدرتهم على تحقيق ذلك!

وقد ترشح ترامب على أجندة ترفع شعارات من قبيل «أميركا أولاً» و«لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» وإعلانه إعطاء الأولوية للشأن الداخلي ومعاداة العولمة والاتفاقيات التجارية الخارجية، وتهديده بشن حرب تجارية ضد الصين، وكذلك تقريعه للحلفاء في «الناتو» الذين لا يسددون تكاليف الحلف ولا يرفعون ميزانية الدفاع عندهم إلى نسبة 2% من الدخل القومي، وتحوله من معجب بدور وقوة بوتين وروسيا إلى ناقد صريح لتحديها للمصالح الأميركية ودعمها لوحشية الأسد في سوريا.

ويبقى من ضمن أولوياته أيضاً، كما يكرر على الدوام، التحالف مع الحلفاء المسلمين المعتدلين لإلحاق هزيمة ساحقة بتنظيم «داعش». والحاصل من كل هذا أن مما يُحسب لترامب خلال المئة يوم الأولى أنه قد أظهر تحولاً تدريجياً من رجل أعمال إلى رئيس دولة واقعي.

ومصطلح إنجازات الرئيس الأميركي الجديد في المئة يوم الأولى من بدء إدارته مصطلح حديث يشغل عادة بال كل إدارة جديدة، ويكون معياراً لمدى نجاحها في تحويل برنامج الرئيس والحزب من طرح نظري إلى جهد عملي، بما فيه رؤيته وإنجازاته للربع الأول من العام الأول من إدارته. وبوجود الإعلام التقليدي المستقل، وتنامي ظاهرة وسائط التواصل الاجتماعي، وحتى تغريدات الرئيس نفسه في حالة ترامب، تكتسي إنجازات المئة يوم الأولى أهمية كبيرة، وتلقى متابعة من الناخبين والأنصار والخصوم معاً.

وطبعاً فحاجز المئة يوم الأولى ليس معياراً دقيقاً، في حد ذاته، لنجاح أي إدارة أو فشلها.. ولا يُحكم على نجاح أو فشل أي حكومة أو إدارة أو حكم رئيس قبل نهاية فترة حكمه. ولكن في الحالة الأميركية تحول حاجز المئة يوم الأولى على رئاسة أي إدارة إلى معيار مهم يسلط الضوء على القرارات والأوامر التنفيذية والإنجازات التي حققتها إدارة الرئيس الجديد، إلى درجة الهوس.

ويكتسي ذلك أهمية كبيرة بوجود رئيس مثل ترامب الذي تسبّب قراراته ومواجهاته وأوامره التنفيذية وحتى تغريداته مواجهات وقد تمثل استفزازاً لكثير من مؤسسات الدولة العميقة وأطياف المجتمع الأميركي والأقليات كالمسلمين والمكسيكيين -والمهاجرين عموماً- وحتى شركات الطيران الخارجية كالشركات الخليجية والعربية بالتضييق عليها بما يعود بالفائدة على شركات الطيران الأميركية.

وقد وعد المرشح ترامب في حملته الانتخابية: بتجفيف منابع الفساد السياسي في واشنطن، وبأن يساعد على إيجاد ملايين الوظائف وإعادة وظائف قطاع الفحم الحجري، وبناء جدار وإجبار المكسيك على دفع تكاليفه، وعدم التدخل في سوريا وأفغانستان، وهزيمة تنظيم «داعش» في ثلاثين يوماً، ومنع دخول المسلمين لأميركا! ووعد أيضاً بتشكيل لجنة تحقيق خاصة للتحقيق مع هيلاري كلينتون بسبب حذف آلاف الرسائل الإلكترونية عندما كانت وزيرة خارجية.

وحتى اليوم، وأنا أكتب هذا المقال في اليوم 93 لبدء إدارة ترامب -الذي سيصل إلى حاجز المئة يوم الأولى من حكمه في 29 أبريل الجاري- لم يحقق ترامب أياً من تلك الوعود! كما لا تبدو المؤشرات إيجابية أيضاً ولا لمصلحة ترامب.

وحسب استطلاعات الرأي فإن شعبية ترامب هي الأدنى مقارنة مع أي رئيس آخر في الربع الأول من العام الأول من فترة إدارته، مثلاً وصل الرئيس إيزنهاور في عام 1952 إلى نسبة 71% وكينيدي 74% وبوش الأب والابن 57% و58%، على التوالي، وكلينتون 55% وأوباما 62%، بينما تصل شعبية ترامب 41% فقط!

ينعكس ذلك التقويم السلبي له في وسائل الإعلام الرئيسة مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و‏CNN وغيرها، التي تقدم رؤية سلبية لأداء وإنجازات الرئيس في الشأنين الداخلي والخارجي.

وقد وصفت صحيفة «واشنطن بوست» أداء ترامب في المئة يوم الأولى بالفشل الكبير. أما هو نفسه فقد علق: «في التسعين يوماً الأولى من رئاستي أثبت الفشل الذريع للسنوات الثماني الماضية (إدارة أوباما) في السياسة الخارجية».

وقبل أن يكمل المئة يوم غرد أيضاً مدافعاً عن إنجازاته: «بدأنا نستعيد الوظائف -الهجرة غير الشرعية في تراجع -استعدنا النظام والعدالة -وبالفعل نستعيد دور أميركا العظيمة مجدداً.. خطوة خطوة نبقي على وعودنا -من تأمين الحدود -إلى الطاقة -إلى الوظائف والحد من البيروقراطية -وهذه تحولات كبيرة» والحق أن بعض ما يقوله ترامب هنا صحيح.

ولكن هذا لا يغطي أيضاً على مواقف ترامب المتناقضة تجاه إحصائيات البطالة التي كان يشكك فيها في إدارة أوباما، وباتت حقيقة اليوم، وتغيُّر مواقفه بشكل جذري تجاه الصين و«الناتو» وروسيا وسوريا! وبذلك فهو يصحح مساره من رئيس آتٍ من خارج المؤسسة الحزبية إلى رئيس تقليدي وسطي من داخل المؤسسة الحزبية.

كما لا تخفي أيضاً مواقف ترامب المتقلبة والمتناقضة حالة التذمر والاستياء والانقسام الحاد في داخل المجتمع والنظام السياسي الأميركي خلال المئة يوم الأولى من إدارته. وعلى رغم سياسته الحادة واستخدام القوة والعضلات إلا أن الشعور بعدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بما سيقوم به ترامب يُبقي حالة من عدم الارتياح سائدة لدى الحلفاء والخصوم معاً. وواضح أن ترامب يتعلم وينضج في منصب الرئيس! ولكل لذلك تفاصيل في مقالات قادمة.

* د. عبد الله خليفة الشايجي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت. 

المصدر | الاتحاد الظبيانية