الأحد 30 أبريل 2017 09:04 ص

مسلّم البراك ظاهرة خليجية، لا كويتية. حالة تَرَقّب خروج هذا الـمُعارض الكويتي من السجن تجاوزت قاعدته الانتخابية في الدائرة الرابعة ومؤيّديه في الكويت إلى شرائح مختلفة في دول الخليج.

أرقام متابعة البث المباشر للحظات خروجه من السجن، وعدد مشاهدات تسجيلات الفيديو لكلمتيه بعد الإفراج، والتغريدات عنه على "تويتر"، تصل إلى أرقامٍ مليونية من داخل الكويت وخارجها، في المنطقة التي تمثل حكوماتها على مستوى العالم، أحد أهم قوى الممانعة ضد الديموقراطية، وفي الوقت نفسه، يعتقد أغلبية مواطنيها أن الديموقراطية باتت ضرورة لحلّ مشكلات الدولة (تقرير الثابت والمتحول 2016، مركز الخليج لسياسات التنمية). 

البراك ظاهرة، لأنهُ سياسيٌ مُعارضٌ في منطقةٍ صارت أهم سمات حياتها السياسية تتمثل في التغييب الشامل لأيّ تعبيرٍ معارض، خارج عن مظلة السلطة وعن خطابها وقيمها. هو ليس "الـمُعارض الأخير" حرفياً بشخصهِ وبذاته، لكن مشهدهُ، وهو يخرج من السجن، ليباشر العمل على الأرض، يمثل إحدى المشاهدات الأخيرة والنادرة لحالة تواصل الانحسار، والتآكل على مستوى الخليج كله، فالإيمان بجدوى العمل السياسي يتلاشى، والقناعة تتراجع بوجود فرصةٍ لإصلاح الأنظمة من الداخل.

ومن يعتقدون بهذا لا يَبدون في المشهد إلا صوتاً هذيانياً مُنبتاً عن الواقع الحالي، والأكاديميون الذين انخرطوا في السياسة عادوا إلى الانكباب على دروسهم، وزهدوا فيها، والناشطون انسحبوا من الحياة العامة إلى مناشط اجتماعية واهتمامات شخصية آمنة، أو اضطرّ بعضهم إلى مغادرة البلاد، هرباً من أحكامٍ بالسجن، من أجل مقالةٍ أو تغريدة، ولاذت بقايا الحالة النضالية اليائسة بشتم المجتمعات الخليجية "التي لا تستحق التضحية من أجلها".

البرّاك، إذ يتمسّك بلبس بدلة السجن، وهو يخرج للقاء الـمُهنّئين، في حركةٍ رمزيةٍ فخراً بسجنهِ وأسبابه، يعكس آخر ما تبقى من خصوصية الحالة الكويتية، بما فيها من مظلة دستورية وقضائية، وإن انجرفت إلى سجن الناس من أجل كلماتهم وآرائهم، إلا أنها لم تبلغ بعد حدّ سحقهم وجودياً بأحكامٍ أسطورية في مُددها وحيثياتها، لكن مشهده هذا يعكس، في الوقت نفسه، من حيث نُدرته وفرادته، طبيعة الحالة الخليجية العامة التي لا تتسع مطلقاً لفكرة المعارضة، فضلاً عن تجسّداتها العملية، فيبدو فيها مشهد البرّاك استثنائياً، بقدر ما يبدو عظيماً. 

إذا كانت دول الخليج قد اصطفت وراء حركات الثورة المضادة، وانحازت بوضوح لا غبار عليه ضد الربيع العربي خارج الخليج، فإنها هي أيضاً لم تعبر الربيع، من دون أن تتأثر بهِ بطريقتها الخاصة، فقد وُلدت وانتصرت ثورةٌ مضادةٌ في الخليج الذي لم توجد فيه أساساً ثورةٌ تهدف إلى إسقاط النظام.

كان تأثير الربيع في الخليج متمثلاً في عمومهِ في إنعاش الأمل بإصلاح الأنظمة مع بقائها، ودفع المنطقة نحو مزيدٍ من الديموقراطية والحرية والتوازن السياسي والعدالة الاجتماعية، وحماية مواردها ومجتمعاتها من التهديدات الوجودية.

أنعش الربيع العربي في الخليج أحلام الاستدامة، لا أحلام الثورة، لكنّ أدنى مطالب الاستدامة كانت أعلى من قدرة الأنظمة على التسامح والمرونة، فتعرّضت جميع مظاهر الحراك الخجولة لسحقٍ غير رحيمٍ ولا عقلاني، ولم يُفلت من هذا التجريف العنيف حتى الأصوات المنفردة والكلمات الشاردة. 

والحاصل أن الخليج انتهى اليوم في نقطةٍ هي عملياً خلف ذاتهِ بكثير، حيث يقبع الحاضر متخلفاً عن تاريخ المنطقة التي تمكّنت في مراحل سابقة من استيعاب حركاتٍ قومية ويسارية وإسلامية فوق الأرض وتحت الأرض، وأدارت العلاقات مع القوى والرموز المعارضة بمزيجٍ من التّسلط والأبوية.

أما اليوم فالسمة العامة للحياة السياسية في الخليج هي الغياب شبه التامّ لأيّ صوتٍ غير مُندمجٍ في غنائية المديح الذاتي السياسية، وحالة التّرنّم بالماضي التليد والحاضر المجيد، والتراجع الفجّ عن أي تجارب سابقة لإيجاد حياة سياسية دستورية وحقوق وحريات، ولو شكلياً.

وزاد الأمر تعقيداً العودة مجدّداً إلى مناخات الحرب على الإرهاب التي تُقدّم هبةً لا تُقدّر بثمن لمقاصد سحق الأصوات الناقدة، حيث يُخلط الحابل بالنابل، والإرهابيّ بالمعارض، والـمُسلّح بصاحب الكلمة، ويُلغى الجميع من الوجود بحركة واحدة، وما من جهة مُستقلةٍ واحدةٍ داخل أي دولةٍ يمكن الثقة بقراراتها في هذه الملفات.

لكن السلطة ليست وحدها مشكلة المعارضة في الخليج، وإن كانت أكبر مشكلاتها، فالتجريف ومنع العمل السياسي أدّى، في معظم الدول، إلى تياراتٍ بلا حدٍ أدنى من الخبرة، والظروف الإقليمية أدت إلى فرز طائفي حادّ داخل المعارضات يقابل الفرز الطائفي على مستوى أنظمة الدول، لكن المعارضات تنفرد في هذا الموقف، بتناقضها واضطراب خطابها الأخلاقي الذي يقود إلى مزيد من الفرز وتضييق القواعد الشعبية.

والمعارضات في الخارج منفصلةٌ عن واقع المجتمعات في الخليج، حيث لا تزال الأنظمة تحتفظ بشرعيتها، وبأنها نقطة توافقية شعبياً، والتيارات الإسلامية تُصرّ على إثارة الذعر الاجتماعي، والتيارات العلمانية شوّهها الاستقواء بالسلطة. 

في خطابهِ الرسمي الذي أعده في السجن، وألقاه الأثنين الماضي، حاول "الـمُعارض الأخير" أن يتجاوز مآزق المعارضات الخليجية التي كان هو ذاته واقعاً في بعضها قبل السجن بتأثير السياق السياسيّ الكويتي. تحدث عن عملٍ سياسيّ جماعيّ سلمي، لا يقصي أحداً، ويتجاوز القنوات السياسية التقليدية، كرّر تمسّكه بالنظام وولاءَه للدولة، وأسند الفضل للشعب عليه، وهو الخارج للتو من عقوبة سجنٍ عامين جرّاء عملهِ السياسيّ.

ولا أحد يمكنهُ، في هذه اللحظة، أن يتنبأ بما سيأتي، أو يحددّ ما إذا كان هذا الخطاب خاتمة مرحلةٍ من الحياة السياسية في الخليج، أم تدشيناً لأخرى مُفارِقة ومختلفة بشكلٍ واضح؟ لكن ضمن نطاق اللحظة الحاضرة، لا يمكن إلا الانبهار، لا بظاهرة البرّاك فقط، لكن بقدرة "فكرة المعارضة" المجرّدة بحدّ ذاتها على المقاومة، والاستعصاء على التطويع، على الرغم من السلطوية وكُل التخويف والآلة الإعلامية الهادرة والإحباط.

لا يزال هناك شعورٌ بوجود خطأ فادح فيما يحدث، شعور بالخلل والانحراف والميل عن الطريق الصحيح، وأن الطريقة الممكنة لتصويب الخطأ، وتقويم الوضع تبدأ بإعادة التوازن للمجتمعات.

هناك نزعةٌ إنسانيةٌ إلى العدالة والحرية يصعبُ سحقها، وإن أمكن سحق الـمُبشّرين بها. 

هذه النزعة هي التي رفعت رجلاً يلبس ثياب السجن على الأعناق.

* إيمان القويفلي كاتبة سعودية باحثة في الاجتماع