الأحد 30 أبريل 2017 02:04 ص

منذ بضعة أيام كان لي لقاء مع مجموعة من الشباب في أحد أقطار الوطن العربي. كان الهدف بحث تحديات الحاضر العربي والاستجابات الممكنة لمواجهتها.

لم يكن اللقاء سهلاً فقد كانت مجموعة شباب متُقدي الذكاء واسعي الثقافة السياسية، وبالتالي لدى أفرادها القدرة على التساؤل والتحليل والنًقد.

بعد ساعتين من الحوار، وليس المحاضرة، انقلبت مشاعر الإحباط عندي إلى تزاحم الأمل والإشفاق والإعجاب والاعتزاز. تذكرت «بوعزيز» تونس وملايين البشر. في ساحات مدن العرب بلا خوف ولا رأس منكس، والعيون والوجوه تعكس ملامح فجر جديد يبدُد ظلام قرون من اليأس والخوف وقلة الحيلة.

توصلنا جميعاً إلى الحصيلة التالية: هناك ثلاثة تحديات تفرض وجودها وخطرها على الحاضر، وهناك ثلاثة منطلقات يجب أن تحكم كل استجابة لمواجهة تلك التحديات، وهناك منهجية عمل لإحباط التحديات ولإعلاء شأن تلك المنطلقات.

أما تحديات الحاضر الذي تعيشه الأمة العربية، والتي يجب أن نتعامل معها كأولويات في فكرنا وعملنا السياسي الحالي اليومي فهي:

أولاَ: تحدي التواجد المذهل للاستعمارين الصهيوني والغربي في حاضر حياة العرب. أما التحدي الاستعماري الصهيوني فيتمثًل حالياً في الصعود الغريب لقبوله كظاهرة يمكن التعايش معها من قبل العديد من أنظمة الحكم العربية، بل ومن قبل الكثير من مؤسسات المجتمع المدني العربي.

فما عاد التواجد الصهيوني في فلسطين خطراَ وجودياً واستعمارياً استيطانياً اجتثاثياً يخطط للهيمنة الاقتصادية والسياسية والأمنية على كل الأرض العربية. أخطر ما في الأمر تنامي ثقافة التطبيع المتدرج مع هذا العدو، بدءاً بالتنسيق الأمني وانتهاء بالحديث عن الاتفاق على استراتيجية عربية صهيونية، برعاية أمريكية، لمواجهة ما يسمى بالأخطار والأعداء المشتركين.

أما التحدي الاستعماري الغربي الكلاسيكي فهو التوجه القوي عند عدد كبير من الأقطار العربية لعقد اتفاقيات ومعاهدات وتفاهمات مع العديد من الدول الأوروبية ومع الولايات المتحدة. وهي تفاهمات تسمح بالتواجد العسكري للجيوش الأجنبية في كثير من الأقطار العربية وتسمح عند البعض بانقلابنا إلى وكلاء لتنفيذ سياسات غربية مشبوهة، ولإشعال الحرائق فيما بين الحكومات والشعوب ولترسيخ الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية.

لقد ضحى العرب منذ عشرينيات القرن الماضي بالغالي والنفيس من أجل إخراج الاستعمار وللحصول على الاستقلال الوطني ليفاجأوا الآن بعودة أشكال لا تُعد ولا تُحصى من الوجود الاستعماري في بلادهم.

ثانياً - تحدي ظاهرة العنف العدمي الذي أدخل العرب والمسلمين في مواجهات لا تنتهي مع بقية العالم من جهة، وقاد إلى دمار العديد من مدن ومجتمعات العرب التاريخية المحورية.

إنه تحد فاشستي مرعب خطر بالغ التعقيد، يستعمل الدين لخدمة السياسة، ويقرأ رسالة الحق والقسط والميزان الإسلامية بصور متخلفة متزمتة ستؤدي إلى تهميش أتباع هذا الدين في العالم كله.

ثالثاً - تحدي المآل الذي وصلت إليه حراكات وثورات الربيع العربي. فالربيع العربي بدأ كحراكات جماهيرية هائلة، رفعت شعارات ديمقراطية إنسانية ابهرت العالم، ليواجه أشكالاً من الانتكاسات الطبيعية والمصطنعة.

لكن بدلاً من تصحيح الأخطاء ومعاودة النضال السلمي لتحقيق شعارات ذلك الربيع هناك محاولة إعلامية كبيرة لاجتثاث منطلقات الربيع الشعورية والفكرية وإحلال مكانها مشاعر اليأس والشك في الشعارات التي طرحت، وقبول خرافة بأن العرب غير قابلين للانتقال إلى الديمقراطية أو لدخول العصر.

إنها ثقافة التراجع وإدارة الظهر للمستقبل والشعور بالنقص النفسي التاريخي، والعودة إلى فهم القضاء والقدر الذي نشره الحكم الأموي وترسخ في الثقافة العربية حتى يومنا هذا.

التحدي يتمثل في بقاء الروح الجماهيرية المتمردة على الفساد والظلم، المتطلعة الى عوالم الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وفي عدم قبول منطق الذين يريدون إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، وفي عدم قبول منطق تدمير الأحلام والآمال باسم التباكي على الأخطاء والهفوات وقلة الخبرة عند شباب هذه الأمة.

اتفقنا على أن تلك التحديات تحتاج إلى إيمان بمنطلقات تتوجه إلى دحر جحيم تلك التحديات.

كما اتفقنا بأن المنطلق الأول هو الإيمان التام بأن دحر تلك الأهوال الجديدة يحتاج إلى نوع من وحدة الأمة. وبالتالي فان شعار الوحدة العربية يجب أن لا يموت، وأننا يجب أن لا نستمع إلى صوت الناعقين بان شعار الوحدة العربية هو خيال واحلام وهلوسات.

واتفقنا على أن المنطلق الثاني هو عدم التراجع عن شعار الانتقال إلى الديمقراطية وعن الإصرار على البدء بترسيخ الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية، من حرية ومواطنة وعدالة ومساواة وغيرها، في حياة العرب.

كما اتفقنا على أن التحديات الثلاثة هي فكرية في جوهرها، ولذا فهناك حاجة لتيار كبير يراجع الثقافة العربية ويحللها وينقدها، إذ أن هناك نقاط ضعف كثيرة في تلك الثقافة، سواء الجوانب التراثية أم جوانب فكر العصر الذي نعيش.

ثم اتفقنا أخيراً على أنه بدون تنظيمات ومؤسسات مدنية سياسية واقتصادية وثقافية ومهنية تناضل من أجل تحقيق ما اتفقنا عليه في الواقع، فان مآسي العرب لن تنتهي. وعليه فمهمة الشباب لا تقتصر على الاقتناع والأقوال وإنما يجب أن تنتقل إلى الأفعال.

وفي نهاية الجلسة قلت لنفسي: أية أم عربية عظيمة تلك التي لا تمل ولا تتعب من إنجاب جيل عربي بعد جيل، هو أيضاً لا يكل ولا يتعب من حمل رسالة التغيير والصعود.

* د. علي محمد فخرو كاتب ومفكر بحريني.

اقرأ أيضاً

شرارة "بوعزيزي"