الخميس 25 مايو 2017 11:05 م

فرضت الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي أجريت يوم الجمعة الماضي (19-5-2017) العشرات من الأسئلة المهمة على المواطن الإيراني، لكن ظل سؤال محوري يشغل الملايين من الإيرانيين متقدماً على كل ما عداه من أسئلة هو سؤال: أي إيران نريد؟

ربما لا يكون هذا السؤال المهم جديداً، أو أنه يطرح للمرة الأولى، نظراً لأن النظام الإيراني، والصراع عليه، وحوله، ظل هاجساً يشغل الإيرانيين على مدى العقود الأربعة التي مضت من عمر الجمهورية الإسلامية، لكن السؤال هذه المرة كان له وقع خاص، بسبب الاستقطاب الحاد الذي شهدته البلاد في ظل هذه الانتخابات، وبسبب الانحياز العلني الواضح والصريح من جانب المرشد على خامنئي، لأحد طرفي هذا الاستقطاب، ما يعني أن التصويت لمرشح الطرف الآخر من هذا الاستقطاب سيكون بمثابة تصويت واضح وصريح أيضاً للمرشد نفسه.

وهنا التحدي الحقيقي الذي كان يواجه الإيرانيين طوال الأيام التي سبقت الانتخابات، هل يمكن التصويت ضد المرشد؟ وما هي التداعيات التي يمكن أن تحدث نتيجة لذلك؟

المفاجأة أن الإيرانيين فعلوها، وانحازوا للمرشح الآخر، وجددوا للرئيس حسن روحاني وأسقطوا إبراهيم رئيسي مرشح المرشد والأصوليين المحافظين والحرس الثوري. ليس هذا فقط، بل إنهم أسقطوا الرجل الذي كان يتردد أنه ربما يكون المرشح لخلافة المرشد في منصب ولاية الفقيه، وأن فوزه بمنصب رئاسة الجمهورية سيجعله الأقرب إلى مقام الزعامة.

هذا يعني أن الإيرانيين صوتوا ضد إرادة المرشد مرتين وبتصويت واحد: صوتوا ضد إبراهيم رئيسي مرشحاً لرئاسة الجمهورية، وصوتوا ضده مرشحاً محتملاً لولاية الفقيه، ووضعوا نهاية لفرصة لم تبدأ بعد، حيث بات مستحيلاً إعادة طرح اسم رئيسي مرشحاً محتملاً لمنصب الولي الفقيه.

من هنا بالتحديد يزداد الموقف تعقيداً أمام الرئيس روحاني الذي اختاره الشعب للمرة الثانية رئيساً، وبأغلبية تفوق الاختيار السابق، ما يعني أن الشعب أعطاه ثقة أعلى بشخصه وبرنامجه على الرغم من كل ما تعرض له من انتقادات، وصلت إلى مستوى الإهانات من المرشد شخصياً، ومن القوى المتطرفة الداعمة للمرشد، سواء كان آيات الله الكبار في كل من مجلس خبراء القيادة، أو مجلس صيانة الدستور، أو من منتسبي ما يسمى بـ«حزب الله» الإيراني التابعين للحرس الثوري الذين هتفوا ضده وأجبروه على الخروج من «حسينية المرشد» وطردوه من المراسم التي كان قد أقامها مكتب خامنئي.

فكيف ستكون اختيارات روحاني: هل ينحاز إلى الشعب ويعلي من شأن إرادته التي تجسدها دعوة الزعماء الكبار للتيار الإصلاحي الذي ساند روحاني، خاصة دعوة «الحاكمية للشعب» التي كان الرئيس الأسبق محمد خاتمي من أبرز دعاتها.

وهنا سيكون قد اختار الصدام مع المرشد وتيار الأصوليين المحافظين والحرس الثوري، أم أنه سيختار التوفيق بين إرادة الشعب ومطالب تيار الإصلاحيين، وبين المرشد وتيار الأصوليين المحافظين، الذين يتمسكون بأن «الحاكمية للمرشد» وأن الخروج على إرادة المرشد خروج على إرادة الله، ما يعني أن إرادة المرشد هي الإرادة الأعلى من إرادة الشعب؟

قد يكون الاختيار صعباً، فقبول الرئيس روحاني بالخيار الثاني سيجعله يكرر مواقفه المترددة إزاء قضايا الإصلاح السياسي والتنمية السياسية التي أكدتها نتائج الانتخابات على المستوى الداخلي، والمزيد من الانفتاح والاعتدال في إدارة ملفات سياسة إيران الخارجية، التي بسببها كاد أن يسقط في الانتخابات، لولا أن الإصلاحيين جددوا رهانهم عليه رغم عجزه على مدى السنوات الأربع الماضية عن الوفاء بوعوده لهم، خاصة وعوده بإنهاء الإقامة الجبرية المفروضة على زعمائهم، خاصة مير حسين موسوي، ومهدي كروبي منذ عام 2011.

كما أن هذا الموقف الوسطي لن يشفع له عند المرشد الذي وقف ضد التجديد له. أما إذا أخذ بالخيار الأول فإنه سيضع نفسه وجهاً لوجه أمام المرشد وأمام المحافظين والأصوليين والحرس الثوري، وسيزيد من تفاقم حالة الاستقطاب، وهذا سيحول، دون تمكينه من اتخاذ خطوات جادة في طريق تنفيذ وعوده الانتخابية على المستويين الداخلي والخارجي التي يستحيل أن ينجح فيها في ظل تفاقم الانقسام الوطني الداخلي والانشغال بالصراعات بين القوى السياسية. 

الأرجح أن حسن روحاني، سيكون مهتماً بالتركيز على مجموعة من الملفات ذات الأولوية عند الإصلاحيين ولكن من دون استفزاز المرشد والمحافظين الأصوليين والحرس الثوري، في ظل إدراكه أن فوزه يعكس رغبة الطبقات الاجتماعية المختلفة في دعم الاعتدال والإصلاحات والانفتاح على الخارج، والحريات العامة، والشخصية، ورفض الصدام مع العالم والانعزال عنه، وفي ظل وعيه بأن فوزه جاء بفضل الدعم القوي والعلني من جانب الإصلاحيين وزعمائهم.

كما أنه من المرجح أن يعطي أولوية أيضاً لملف المصالحة الوطنية الداخلية التي كان بدأها قبل الانتخابات نائبه اسحق جهانجيري في لقاء مميز له مع المرشد الذي ألمح إلى موافقات مهمة بهذا الخصوص. البدء بهذا الملف يمكن أن يؤدي إلى استعادة التوحد الداخلي على رؤية الاعتدال، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية الجديدة بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرياض ونتائج هذه الزيارة.

* د. محمد السعيد إدريس نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. 

المصدر | الخليج - الشارقة