الأربعاء 25 يونيو 2014 05:06 ص

مصطفى الفقي، الخليج، 24 يونيو/حزيران 2014

مازلت حتى الآن أفكر على امتداد السنوات العشر الأخيرة بل ربما قبل ذلك أي منذ 11 سبتمبر 2001 في المفهوم الحقيقي للإرهاب المعاصر ومدى قدرته وقوة تأثيره لأننا لم نكن نسمع قبل ذلك كثيراً عن تنظيم يسمى القاعدة، ولعلي أشعر أحيانا أن الأمر يتمثل في كونه ظاهرة أكثر منه تنظيماً، فكل التيارات المنضوية تحت رايات الإسلام السياسي الذي تطرفت بعض أجنحته وأصبحت جماعات إرهابية تعمل بالتوازي في مناطق مختلفة وتربطها شبكة لوجيستية تحتاج إلى تمويل كبير مازلنا نتساءل دائماً عن مصادرها، ولقد بدأنا منذ عام أو أكثر قليلاً نسمع عن تنظيم فرعي من القاعدة يسمى داعش (دولة العراق والشام)، أخذ يعبث بعض الوقت على الساحة السورية ثم نقل نشاطه بشكل مكثف إلى المسرح السياسي العراقي حتى سقطت في يده مدينة كبيرة في حجم الموصل وواصل الزحف نحو بغداد، وبدأ الكل يتساءل من هؤلاء؟

وكانت الإجابة الجاهزة هي أن داعش جيل جديد من تنظيم القاعدة انقلب على التنظيم الأم بل وقام بتكفيره، بينما يرى آخرون أن عدد أعضاء هذا التنظيم الجديد وكوادره المسلحة مبالغ في أرقامه إذ إن الذي يكتسح المناطق من الشمال إلى الجنوب هم شباب العشائر السنية التي ضجت من التعصب الشيعي واستبداد حكم نوري المالكي وتفرده، حتى إن عناصر شيعية قد خرجت عليه مثلما هو الأمر بالنسبة لرمزين كبيرين في الجانب الشيعي وأعني هنا تحديداً مقتدى الصدر وإياد علاوي، فالعراق الذي يتمزق منذ عدة عقود يواجه الآن مرحلة خطيرة غير مسبوقة إذ يحاول تنظيم إرهابي إسقاط الدولة العراقية التي أسهم الأمريكيون في تقويضها منذ أكثر من عقد كامل حين قاموا بحل الجيش العراقي وجهاز الشرطة وهيئة الاستخبارات تحت شعار اجتثاث البعث، وهاهو العراق يدفع الثمن، ولعلنا نتذكر نحن المصريين أن الله قد أكرمنا بجيش قوي ومهني كما قال وزير الدفاع الأمريكي منذ عامين على قناة الجزيرة، فالجيش المصري هو أقدم جيوش المنطقة وأعرقها تاريخاً وهو الذي حمى الجبهة الداخلية المصرية وحافظ على أعمدة الدولة، ولنا فيما يجري في العراق عبرة يا أولي الألباب! ولعلي أبسط هنا بعض ما أوجزناه في النقاط التالية:

* أولاً: إن المفهوم الدولي للإرهاب يمثل قضية خلافية جرى ربطها ببعض الديانات ظلماً، ولا يخفى على أحد أن الديانات السماوية والحضارات الإنسانية والثقافات المختلفة ترفض كلها العنف وتسعى إلى حياة مستقرة أصولها المساواة بين البشر واستقرار الشعوب ونهضة الأمم، ولكن تعريف الإرهاب خضع في السنوات الأخيرة لمعايير مزدوجة وجرى خلطه بالكفاح الوطني المسلح، فالغرب يكيل بمكيالين، يمارس الإرهاب أحياناً ضد الشعوب ويتهم الشعوب ذاتها بأنها مصدر الإرهاب وراعيته . من هنا فإن سياسة ازدواج المعايير لم تساعد على مكافحة الإرهاب ولكنها زادت منه وأشعلت معاركه في معظم العالمين العربي والإسلامي، ولقد فشلت المؤتمرات الدولية والإجتماعات القانونية في تقديم تعريف واضح للإرهاب وظل الأمر خاضعاً للأهواء السياسية والمصالح الوطنية دون اتفاق شامل يحدد مفهوم الإرهاب حتى تسهل مقاومته، ونود أن نشير هنا إلى أن الإرهاب هو نتيجة طبيعية للإحساس بالظلم مع تفاوت القوى بين الأطراف إنه يشبه عضة الفأر في قدم الفيل، فهو محاولة مكتومة للثأر في إطار غير متكافئ وفي ظل ظروف بشرية معقدة .

* ثانياً: إن خصوصية الوضع العراقي جعلت من بلد الرافدين مستودعاً للحضارة العربية الإسلامية خلال أزهى عصورها في بلد لديه وفرة من المياه والنفط والأرض الخصبة، لذلك تكالب عليه الطامعون وسعت إليه القوى الكبرى من أجل السيطرة والاستحواذ، فدمر الأمريكيون جيش العراق وسلطتها وأجهزتها الأمنية بعد عملية تجريف سياسية وثقافية، وجرى نهب المتاحف والسطو على حضارة بابل، وشهد العراق حجماً من الدماء لا نظير له في العقود الأخيرة حتى جرى تصدير الانقسام الطائفي لذلك البلد المعروف أبناؤه بشدة المراس وقوة الشكيمة، فجامل الغزاة الأمريكيون أبناء الشيعة من العراقيين عام 2003 مثلما جامل البريطانيون أهل السنة في عام ،1920 ولسوف نرى أن ضغوطاً هائلة قد مورست على المسيحيين في العراق - مثلما جرى في بعض دول المشرق العربي - فهجرت نسبة كبيرة منهم البلاد ولم يتمكن العراقيون من إيجاد صيغة للتعايش المشترك حتى جاءت لهم حركة داعش بعد قيام ميليشات الصحوة لكي يتضافر العنف وتكتمل الحلقة الشريرة التي امتدت من الأراضي السورية إلى الأراضي العراقية في ظل تلك الشعارات الزاعقة والعرب في النهاية هم دافعو ضريبة كل ذلك. 

* ثالثاً: لقد انتقدنا أثناء حكم الرئيس الأسبق مبارك تراجع الدور الإقليمي لمصر لأن بعض المصريين ظنوا أن ذلك الدور هو نوع من الترف الذي لا مبرر له وأن الانشغال بالشأن الداخلي والانكفاء على مشكلات مصر المعقدة هو أفضل بكثير من التورط في سياسات إقليمية أو اشتباكات قومية، وغابت مصر عن كثير من المناسبات في الشرق الاوسط وتركت لإيران وتركيا بل و"إسرائيل" حرية التحرك بل والعربدة في المنطقة استثماراً لغياب الدور المصري، وقد آن الأوان لأن نعيد النظر في ذلك كله فنحن طرف في كل أحداث إقليم الشرق الأوسط سواء في غرب آسيا أو شمال إفريقيا، ولا يمكن أن نتخلى طواعية عن دورنا إذ يجب أن نكون أصحاب موقف ودعاة رأي في كل ما هو مطروح على الساحة بدءاً من الملف النووي الإيراني مروراً بالأزمة السورية وصولاً إلى الوضع في لبنان مع اهتمام خاص بمنطقتي الخليج العربي ودول حوض النيل، فلقد جاء الوقت الذي يجب أن تكون فيه القاهرة عاصمة الشرق الاوسط باعتبار أن مصر هي الدولة المركزية المحورية في العالمين العربي والإسلامي وفي القارة الإفريقية وأيضاً بين دول البحر المتوسط.