الأربعاء 7 يونيو 2017 11:06 م

بدا واضحا لبعض الوقت أن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة لها ليست بأي حال من الأحوال العرض الوحيد الذي يشهده الشرق الأوسط. والواقع أن الحرب على الإرهاب لم تكن في معظم الأحيان أكثر من عرض.

وسلطت محاولة إخضاع قطر عبر حصارها وغلق الحدود معها الضوء على القوى الحقيقية التي تتنافس على السيطرة على المنطقة في عالم ما بعد الغرب الذي نعيشه اليوم. حيث هناك 3 كتل إقليمية تتنافس على النفوذ.

الكتلة الأولى تضم إيران بصحبة حلفائها الحكوميين في العراق وسوريا والحلفاء غير الحكوميين مثل الميليشيات الشيعية في العراق، وحزب الله، والحوثيين.

والكتلة الثانية هي الأنظمة القديمة للملكيات المطلقة في الخليج، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وتشمل الأردن ومصر.

وتضم الكتلة الثالثة تركيا وقطر والإخوان المسلمون والقوى المؤثرة في الربيع العربي.

وفي هذه المعركة الثلاثية، فإن حلفاء أميركا يزعزعون الاستقرار في النظام الإقليمي القائم تماما كأعدائها، والحملة ضد قطر هي مثال رئيسي على ذلك.

وقعت السعودية في سوء تقدير حقيقي حين حاولت فرض إرادتها على قطر الصغيرة. ولأنها فعلت ذلك، فإنها أخلت بنظام إقليمي اعتمدته لمواجهة سيطرة إيران على البلدان المحيطة بالمملكة.

وبعبارة أخرى، إذا كانت الحرب التي تدعمها إيران في سوريا جلبت تركيا والسعودية معا، فإن الأزمة مع قطر فعلت العكس تماما. في الواقع، فإنه يمكنها أن تؤدي إلى بناء أرضية مشتركة بين إيران وتركيا وقوى الإسلام السياسي السني، مهما بدت غرابة ذلك.

ورغم أن القوتان لا ينسجمان مع بعضهما البعض بشكل طبيعي، إلا أن بإمكانها أن يتحدا في النهاية بفعل السياسات المتهورة وقصيرة النظر للمملكة العربية السعودية. وجدير بالذكر هنا أن وزير الخارجية الإيراني «جواد ظريف» وصل في زيارة إلى أنقرة أمس الأربعاء.

البنتاغون يعارض تغريدات «ترامب»

كان الحدثان اللذان غيرا قواعد اللعبة في الحملة ضد قطر هما قرار البرلمان التركي بتعجيل التشريعات التي تسمح بنشر القوات التركية في قاعدة في قطر، وبيان الحرس الثوري الإيراني الذي اتهم المملكة العربية السعودية بالمسؤولية عن الهجوم على البرلمان الإيراني وضريح الإمام الخميني، والذي أسفر عن وفاة 12 شخصا.

ترك هذا المملكة العربية السعودية ضعيفة ومعزولة. وصحيح أنه يمكنها التسلط على دولة أصغر، ولكنها لا تستطيع الدفاع عن أرضيها دون قدر كبير من الدعم العسكري الأجنبي.

ومهما كان ما يغرد به «ترامب»، فإن الجيش الأمريكي في الخليج يحاول جاهد تجنب نشوب أي صراع. ربما يكون ذلك أحد الأسباب التي جعلت البيت الأبيض والبنتاغون يقولان أشياء مختلفة عن قطر هذا الأسبوع.

وبعد فترة قصيرة من إغلاق الحدود البرية مع السعودية في فجر يوم 5 يونيو/حزيران، أشاد البنتاغون بالتزام قطر الدائم بالأمن الإقليمي. وأوضح البيان الصادر عن وزارة الدفاع الأمريكية أن القادة الجوية التي تحوي مقر القيادة المركزية الأمريكية ستواصل جميع رحلاتها كما هو مقرر.

ثم جاءت تغريدات «ترامب» التي أكدت مباركته للتحركات الاستثنائية ضد قطر بوصفها أحد ثمار القمة التي حضرها بصحبة 50 من القادة العرب والمسلمين في الرياض. ثم جاء بيان البنتاغون الثاني، الذي أكد الثناء على قطر لاستضافتها مقر قيادة القوات الأمريكية.

وانضمت أوروبا إلى البنتاغون، أو على الأقل وزير خارجية الدولة الأكثر أهمية في الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، والذي أكد على خطورة هذا النهج «الترامبي» في التعامل مع منطقة تعاني بالفعل من أزمة. وبعد فترة وجيزة من القرار التركي، كان «ترامب» يهتف أمير قطر عارضا الوساطة. وبعد 24 ساعة من تغريدته المثيرة للجدل، كان من الواضح أن رسالة جيشه بلغته أخيرا.

الحسابات الخاطئة

ظهر أن السعودية والإمارات ملئا أفواههما بأكثر مما يمكنهما مضغه. وكان أول سوء تقدير لهما هو التسليم برواية «ترامب». عند شراء منتج ترامب، يجب أن تكون على بينة من الآثار الجانبية. واحدة من هذه الآثار الأكثر وضوحا هي المقاومة الهائلة التي صنعها «ترامب» لنفسه في بلاده.

يبدو هذا واضحا تماما حين نراجع قائمة الغاضبين من «ترامب». وكالة الاستخبارات المركزية، البنتاغون، وزارة الخارجية، أعضاء مجلس الشيوخ من جميع الألوان، والقضاة. وكان الخطأ الكلاسيكي الذي ارتكبه السفير الإماراتي «يوسف العتيبة» أنه افترض أنه بمجرد أنه يملك وزير الدفاع الأمريكي السابق «روبرت غيتس» في صفه، فإنه يسيطر على وزارة الدفاع بأكملها. ولكن الأمر ليس كذلك.

سفير روسيا «سيرغي كيسلياك»، الذي يطلق عليه الآن دبلوماسي واشنطن الأكثر خطورة، هوى أيضا بسبب نوع مماثل من الغطرسة. هؤلاء السفراء يخلطون بين عمل جماعات الضغط وبين عملية صناعة السياسة الخارجية، وشتان الفارق بينهما.

وكان الافتراض الثاني أن قطر الصغيرة لن تجد أي دولة أكبر تقف في صفها. كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة لديها استثمارات كبيرة في تركيا، وقد ظنا أنها سوف تشتريان الحياد التركي. ولكن «أردوغان» أدرك أنه إذا تم سحق قطر فإنه سوف يقف في معسكره منفردا.

وكان الخطأ الثالث هو الإفصاح عن النوايا الحقيقية بشأن الخلاف مع قطر، وهو خلاف لا علاقة له بقضايا الإرهاب أو إيران. والواقع أن الإماراتيين يقومون بتجارة هائلة مع إيران، وهم جزء من التحالف الذي يتهم قطر بالانحياز إلى طهران.

إن مطالبهم الحقيقية، التي نقلت إلى أمير الكويت - الذي يعمل كوسيط - هي إغلاق قناة الجزيرة، ووقف تمويل صحف العربي الجديد، والقدس العربي، والنسخة العربية من هافينغتون بوست و طرد المفكر الفلسطيني «عزمي بشارة.»

هذه هي وسائل الإعلام التي تكشف -باللغة العربية- القصص التي لا يريد هؤلاء الديكتاتوريون العرب لمواطنيهم قراءتها. هم يرغبون في غلق كل وسائل الإعلام التي تكشف الحقائق غير المريحة حول استبدادهم.

(إسرائيل) تنضم إلى حزب التعساء

تأتي حماس والإخوان كمطلب سابع في القائمة السعودية الإماراتية. ويعتبر إدراج حماس في هذه القائمة سوء تقدير آخر لأنه، مهما كانت نظرة الولايات المتحدة إلى الحركة الفلسطينية، فإنها تحظى بشعبية في الخليج.

هذا هو المكان الذي تنضم فيه (إسرائيل) إلى هذا الحزب التعيس، وكما تكشف الرسائل المقرصنة للعتيبة، فإن العلاقة بين حكومتي الإمارات و(إسرائيل) مثل السمن على العسل.

من حق رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يعتقد أنه يحظى بدعم الدول العربية الكبرى في قمع أي تقدم للوصول إلى دولة فلسطينية مستقلة. هذا هو آخر شيء تريده مصر أو الأردن أو الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية، لذا فإن هذه الممالك حريصة حقا على تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) إلى درجة استضافة معلق سعودي للمرة الأولى على القناة الثانية الإسرائيلية في حوار تم إجراؤه من جدة.

وكما قال الشاعر والمون الفلسطيني «تميم البرغوثي» في تعليقه على الأمر: «في الذكرى الخمسين لاحتلال إسرائيل القدس، يتشكل حلف مصري سعودي إماراتي بحريني إسرائيلي ويفرض حصاراً برياً وجوياً على بلد عربي، لا لشيء إلا لتأييده المقاومة الفلسطينية واللبنانية والثورات العربية في العقدين الماضيين، لاسيما الثورة المصرية التي أطاحت بحليف إسرائيل وهددت سلطة عسكر كامب ديفيد في القاهرة. إنهم لا يعاقبون الدوحة على سوريا وليبيا واليمن والقاعدة الأمريكية، بل يعاقبونها على شهادة الجزيرة في حروب العراق ولبنان وغزة ودعم المقاومة الفلسطينية في ٢٠٠٩ و٢٠١٢ و ٢٠١٤ والمقاومة اللبنانية في ٢٠٠٠ و٢٠٠٦ ويعاقبونها على سقوط مبارك في ٢٠١١. عسكري مفلس وخائف ومصاب بعقدة ماكبث، يغسل الدم القديم عن يديه بالدم الجديد، وفتى يستعجل الْمُلْك طامع في تخطي بن عمه للعرش بأي ثمن، اختارا الخامس من حزيران تحديداً ليعلنا، مرة أخرى، عن ضم بلديهما للعمق الاستراتيجي الإسرائيلي».

أما عن الخطأ الأكبر فهو أن قطر ببساطة ليست غزة. لقد حصلت على أصدقاء يمتلكون جيوشا قوية، ورغم أنها تحوي عدد سكان أقل من هيوستن إلا أنها تمتلك صندوق ثروة سيادي بقيمة 335 مليار دولار، وهي أكبر منتج للغاز الطبيعي في الشرق الأوسط ولديها علاقات مع إكسون. السعوديون والإماراتيون ليسوا اللاعب الوحيد في لعبة الضغط. ومن الجيد أن نذكر أنه حتى غزة نجت من حصارها.

المصدر | ديفيد هيرست - ميدل إيست آي