الخميس 26 يونيو 2014 03:06 ص

ترودي روبن، خدمة (إم سي تي إنترناشونال)، 25 يونيو/حزيران 2014

منذ أكثر من عام، دق بعض محللي الشرق الأوسط ناقوس الخطر محذرين من صعود فرع من "القاعدة" يعمل على إنشاء ما يشبه الدولة في شرق سوريا وغرب العراق حيث يعمل على تدريب مجندين من أوروبا وأميركا. ولكن فريق أوباما فشل في الاهتمام بهذا التهديد المحدق بالمصالح الأميركية، سواء في سوريا أو العراق. واليوم، هز أولئك الجهاديون – المعروفون بـ"الدولة الإسلامية في العراق والشام"، أو "داعش" اختصارا – المنطقة عبر تدفقهم من سوريا وسيطرتهم على ثاني أكبر مدينة عراقية وتوجههم نحو بغداد. ويقول "ريان كروكر" السفير الأميركي السابق إلى بغداد وكابول: "إنهم سيصبحون أقوى مما كانوا عليه في أفغانستان".

في هذه الأثناء، يحاول البيت الأبيض متأخراً اجتراح سياسة لوقف تقدم "داعش". ولعل الخطوة الأولى في ذلك الاتجاه تكمن في إعادة أوباما ووزير الخارجية جون كيري العراق إلى دائرة اهتمام الإدارة الأميركية. وفي هذا السياق، قال لي "كروكر" في حوار معه عبر الهاتف: "المشكلة أننا منذ سحبنا قواتنا من العراق، سحبنا دبلوماسيتنا أيضا". وعلى سبيل المثال، فإن نائب الرئيس جو بايدن، وهو المكلف بملف العراق في الإدارة الأميركية، لم يزر بغداد منذ نوفمبر 2011.

من جانبه، لم يزر كيري العراق سوى سوى مرة واحدة منذ تنصيبه. أما بالنسبة لأوباما، فإنه يعتبر الانسحاب الكامل من العراق واحدا من إنجازات سياسته الخارجية، ويبدو أنه غير مهتم بالتعامل مع زعمائه بشكل شخصي.

غياب الاهتمام هذا جعل البيت الأبيض يؤخذ على حين غرة عندما قامت "داعش" بالسيطرة على الموصل. ونفور الإدارة الأميركية من العراق كان يعني عدم استعمال واشنطن لما تبقى لها من تأثير هناك للضغط على المالكي من أجل تشكيل حكومة مستوعبة لجميع مكونات الشعب العراقي، مثلما وعد بايدن بذلك في 2011. كما أن طائفية الزعيم العراقي الشيعية خلقت بين السُنة مشاعر عداء واسعة مكّنت "داعش" من بسط سيطرتها على شمال العراق بمساعدة من العشائر السُنية المستاءة.

وقبل ذلك، كان نفور الإدارة الأميركية من العراق يعني أنها لم تسع بجدية كافية لإيجاد صيغة بشأن وجود لمستشارين عسكريين أميركيين بعد 2011، وهو الأمر الذي كان سيوفر لها تأثيراً أكبر على المالكي. فقد كان المسؤولون الأميركيون يفترضون على ما يبدو أن القوات العراقية المدرَّبة والمسلَّحة من قبل الولايات المتحدة تستطيع مواجهة أي تهديد قد تطرحه "القاعدة"؛ ولم يولوا اهتماما كافيا للعنف المتزايد الذي كانت ترتكبه "داعش" داخل العراق العام الماضي – أو حقيقة أن الهجمات كانت تُشن انطلاقاً من الملاذات الآمنة لـ"داعش" الموجودة داخل سوريا.

وقد كان عنف "داعش" جد مخيف لدرجة أن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري طلب من الأميركيين الخريف الماضي تنفيذ ضربات بوساطة طائرات من دون طيار ضد مقاتلي "داعش" - وهو ما لم يحدث. كما لم تقدم الإدارة الأميركية مساعدة كبيرة للثوار السوريين المعتدلين الذين كانوا يحاولون محاربة "داعش" على الجانب السوري من الحدود.

اليوم، انتبه أوباما إلى تهديد "داعش" أخيراً. فبغض النظر عن نفوره من العراق، وبغض النظر عن خطايا إدارة بوش التي تسببت في الفوضى العراقية، إلا أن الرئيس الأميركي لم يكن بإمكانه وقوف موقف المتفرج إزاء ما يحدث في العراق. وقد كان على صواب حين قال إنه لن يرسل قوات محاربة إلى العراق. كما أنه لن يبحث إمكانية القيام بعمل عسكري مثل تنفيذ ضربات جوية أو بوساطة طائرات من دون طيار ضد "داعش" إلا إذا "قام الزعماء العراقيون بتسوية خلافاتهم الطائفية". ولكن المالكي لم يُظهر أي مؤشر على أنه قد فهم الرسالة أو أنه مستعد لانفتاح حقيقي على السُنة. كما أنه سيكون من الصعب أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الراهن، إقناع السُنة المتعقلين بالوثوق فيه. وبالتالي، فإن احتمالات اتفاق سياسي عراقي داخلي يضعف مكاسب "داعش" قليلة في أحسن الأحوال، ولكنها منعدمة إذا لم ينخرط أوباما بشكل مباشر.

غير أن ثمة بعض المواقف التي أخذت تُتداول في واشنطن مؤخراً وترى أن هذا الانخراط غير ضروري، ويرى أصحاب تلك المواقف مثلا أن خطوة "داعش" قسَّمت العراق فعليا إلى ثلاثة أجزاء بين السنة والأكراد والشيعة، وأن على الولايات المتحدة أن تعترف بذلك. والحال أنه علاوة على تجاهلها للتكاليف البشرية الباهظة، فإن تلك الحجة تتجاهل الأخطار الاستراتيجية التي يطرحها التقسيم.

ثم إنه حتى إذا توقفت "داعش" عند أبواب بغداد – مثلما يعتقد الكثيرون – فإن التهديد الذي تطرحه لن يتوقف هناك. ذلك أن "داعش" باتت تسيطر الآن على منطقة تضاهي من حيث اتساعها مساحة بلد؛ كما أنها استولت على كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة الأميركية من القواعد العراقية، إلى جانب مئات الملايين من الدولارات من بنوك الموصل. ويقول كروكر: "إن الأمر يتعلق بجيش، وليس بميلشيا"، مضيفا أن "داعش" تستطيع إنشاء خلافة والتخطيط لمهاجمتنا" أو تهديد البلدان المجاورة.

وعلاوة على ذلك، فإن التقسيم من شأنه أيضا أن يؤدي إلى سيطرة إيران على دولة شيعية عراقية في الجنوب إلى جانب ممتلكات النفط العراقية الرئيسية. وأي زعم بأن إيران ستتعاون مع واشنطن في محاربة "داعش" يتجاهل حقيقة أن ملف العراق في طهران هو من اختصاص الجنرال قاسم سليماني، رئيس فرقة القدس التابعة للحرس الثوري، الذي لم يبد اهتماما بالضغط على المالكي حتى يكون أكثر استيعابا لكل مكونات المجتمع العراقي. 

يقول كروكر: "إن سليماني موجود في بغداد الآن، وعلى كيري أن يكون هناك أيضا إذ يتعين علينا أن نعيد الانخراط سياسيا على أعلى المستويات". وإلا، فإننا سنرى العراق يتفكك ويتحول إلى محمية إيرانية وإمارة جهادية.