الخميس 3 أغسطس 2017 12:08 ص

على مدى الأشهر الأربعة الماضية، دُمرت اليمن، وتفشى بها وباء الكوليرا، الذي وصفته الأمم المتحدة بالأسوأ في العالم. ويتم الإبلاغ عن نحو 7 آلاف حالة جديدة يوميًا، تم تسجيل قرابة نصف مليون حالة منذ نهاية أبريل/نيسان، وكان هناك بالفعل أكثر من 1915 حالة وفاة.

ويُعد الوباء أحد جوانب الكارثة الإنسانية الأوسع نطاقًا في اليمن. ويحتاج ثلثا السكان، 18.8 مليون نسمة، نوعًا من المساعدات الطارئة. وقد انهار إنتاج الأغذية ويعاني 4.5 مليون طفل فضلًا عن الحوامل والمرضعات من سوء التغذية الحاد. وتعمل 45% فقط من المرافق الصحية، ويفتقر 14.8 مليون شخص إلى الرعاية الصحية الأساسية. ويتطلب نفس العدد المساعدة للحصول على مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي.

وتنتشر الكوليرا، وهي عدوى بكتيرية، عن طريق المياه الملوثة بالبراز. ويمكن منعها بسهولة ومعالجتها بسهولة. وانتشرت الكوليرا لأول مرة من دلتا الغانج بالهند عام 1817، وأدت الأوبئة الناتجة إلى مقتل عشرات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم على مدى 150 عامًا. وقد أدت التحسينات الحديثة في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتحسين فرص الحصول على الأدوية والرعاية الصحية، إلى انخفاضٍ ملحوظ في عدد الحالات. واليوم، تحدث التفشيات بشكلٍ رئيسي في المناطق التي تكون فيها أنظمة المياه والصرف الصحي غير كافية، أو تكون قد تدمرت بسبب كوارث طبيعية أو من صنع الإنسان.

وتؤكد وكالات الأمم المتحدة، ووسائل الإعلام المحترمة، بما في ذلك بي بي سي ونيويورك تايمز، والمجلات الطبية ذات النفوذ، مثل لانسيت، بأنّ عامين من الصراع قد خلقا الظروف المواتية لتفشي الكوليرا. ولا يخبر هذا السرد، وإن كان صحيحًا، سوى جزءًا من القصة. وهو لا يفسر احتمال أن يكون طرف ما أكثر تسببًا في التفشي من الآخر.

وقد بدأت الحرب الأهلية اليمنية في سبتمبر/أيلول عام 2014 عندما سيطر المتمردون الحوثيون، وهم مجموعة من الزيدية الشيعية من شمال اليمن، على العاصمة صنعاء، ثم أطاحوا بعد ذلك، بمساعدة من القوات الموالية لـ«علي عبدالله صالح»، بالحكومة في شهر يناير/كانون الثاني. وأقام النظام المعترف به دوليًا بقيادة الرئيس «عبد منصور هادي» حكومة موازية في ميناء عدن الجنوبي.

ومنذ مارس/آذار عام 2015، قادت السعودية تحالفًا من الدول العربية السنية وحاولت استعادة الحكومة باستخدام القصف الجوي، وفرض حصارٍ جوي وبحري، فضلًا عن إنزال القوات البرية. وتوفر الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للائتلاف الدعم اللوجستي والمعدات العسكرية. واتهم السعوديون إيران بمساعدة المتمردين، لكنّ الأدلة على هذا الادعاء محدودة، ورفضها الحوثيون وإيران.

وقد لقي ما لا يقل عن 10 آلاف شخصٍ مصرعهم وأُصيب 40 ألفًا آخرين فى الصراع. ويُتهم الجانبان بتجاهل مراعاة المدنيين وانتهاك القانون الدولي. وقد أطلق المتمردون عشوائيًا المدفعية على مناطق سكنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة والسعودية. ولكن بما أنّ التحالف الذي تقوده السعودية يقود مواردد أكبر بكثير، فقد تمكن من التسبب في دمارٍ مختلفٍ تمامًا.

السعودية المسؤول الأكبر

وقد شنت القوات الجوية السعودية هجماتٍ عشوائية تسببت في مقتل معظم المدنيين وإصاباتهم أثناء النزاع. واستهدفت الغارات الجوية البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمزارع والمدارس والبنية التحتية للمياه والأسواق والميناء الرئيسي في الحديدة. وتسبب الحصار البحري والجوي الذي تقوده السعودية على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في نقص العديد من المواد الأساسية، بما في ذلك الغذاء والوقود والإمدادات الطبية.

ولم يتم السماح للطائرة الأولى التي تحمل مساعدات طبية بالهبوط في صنعاء إلا بعد مرور أربعة أسابيع من بدء تفشي المرض.

ولم تعد الحكومة تدفع أجور الموظفين العموميين العاملين في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. ولم يتلق حوالي 30 ألف عاملٍ في مجال الصحة رواتبهم لما يقارب العام. وقد دخل عمال الصرف الصحي ومهندسو المياه في صنعاء في إضرابٍ لعدة أشهر، مما يترك المخلفات في الشوارع والتي تعرقل المصارف البلدية.

لذلك، ليس من المستغرب أن تتأثر المناطق التي يسيطر عليها المتمردون بشكلٍ غير متناسب بتفشي الكوليرا. وقد وقعت حوالي 80% من حالات الإصابة والوفيات في المحافظات التي يسيطر عليها الحوثيون. وفي المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، يبلغ عدد الحالات بين كل 1000 شخص 17 حالة، مقابل 10 حالات في المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة. وتبلغ نسبة المصابين بالكوليرا الذين يموتون 0.46% في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، مقابل 0.3% في المحافظات التي تسيطر عليها الحكومة. وهكذا، فإنّ الشخص الذي يعيش في المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين يزيد احتمال إصابته بالكوليرا بنسبة 70%، وتزداد احتمال وفاته أكثر من 50%.

وتشير هذه الأرقام إلى أنّ تفشي الكوليرا ليس مجرد نتيجة حتمية للحرب الأهلية. بل هو نتيجة مباشرة لاستراتيجية التحالف الذي تقوده السعودية باستهداف المدنيين والبنية التحتية في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. وتبرز الانتقادات الموجهة لدعم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للتدخل الذي تقوده السعودية، والذي لم يؤدِ إلى تغيير في السياسة.

وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2016، حظرت إدارة «أوباما» بيع قنابل موجهة بدقة إلى المملكة العربية السعودية بسبب المخاوف من إصابات المدنيين في اليمن، ولكن في مايو/أيار عام 2017، وافقت إدارة «ترامب» على بيع حزمة من هذه الأسلحة بقيمة 500 مليون دولار كجزءٍ من صفقة بقيمة 110 مليار دولار. وفي الشهر التالي، فشلت جهود الحزبين لوقف البيع بأصواتٍ قليلة في مجلس الشيوخ.

وقد رفضت المحكمة العليا الشهر الماضي في المملكة المتحدة ادعاءات النشطاء بأنّ الوزراء يتصرفون بشكلٍ غير قانوني من خلال مواصلة بيع طائرات مقاتلة وقنابل موجهة بدقة إلى السعودية، والتي يمكن استخدامها ضد المدنيين في اليمن. وفي ظل غياب إدانةٍ دولية قوية للعمليات التي تقودها السعودية، من الصعب توقع نهاية سريعة لهذه الكارثة الصحية العامة والأزمة الإنسانية الأوسع نطاقًا.

المصدر | الغارديان