الثلاثاء 8 أغسطس 2017 06:08 ص

العرض العسكري الأخير لجيش تحرير الشعب الصيني، في الذكرى التسعين لتأسيسه، بميدان قاعدة (تشوريخه) في منطقة منغوليا الداخلية ذات الحكم الذاتي، شمال الصين، وبحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ، يَحمِلُ الكثير من الإسقاطات والرسائل السياسية بالدرجة الأولى، رسائل سياسية ساخنة، وفيها قرقعة للسلاح، على غير العادة في السياسات التي تنتهجها بكين في مسار احتكاكاتها السياسية المتواصلة منذ أكثر من عقدين من الزمن مع الولايات المتحدة وغيرها.

لقد جاء العرض العسكري للجيش الصيني، وسط تصاعُد التوتُر على الساحة الآسيوية، بما في ذلك ما يجري على جبهة شبه القارة الكورية، حيث جرى الاستعراض العسكري بعد ساعاتٍ من النقد الحاد الذي وجهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصين الشعبية، متهماً إياها بالفشل في كبح جماح كوريا الشمالية التي أجرت قبل أيامٍ قليلةٍ تجربةٍ صاروخيةٍ جديدةٍ، لصاروخٍ قيل إنه يستطيع قطع مسافة تقارب نحو 8000 كيلومتر، مُهدداً مدن الساحل الغربي للولايات المتحدة.

كما جاء العرض العسكري عَقِبَ التطورات التي شهدها بحر الصين الجنوبي خلال الفترات الأخيرة، وقيام بكين ببناء مجموعة من الجزر الصناعية كي تكون بمثابة خطِ دفاعٍ إذا ما حدث صدام مع الأسطول الأميركي الذي «يسرح ويمرح» في تلك المنطقة الحيوية التي تَمُرُ بها سفن التجارةِ الخارجيةِ من والى موانئ الصين في تلك المنطقة، كما تُعتَبَر الطريق الرئيسي لناقلات الإمداد الخارجي من النفط والغاز للصين التي تستهلك يومياً قرابة ثلاثة ملايين برميل من النفط جُلها من الاستيراد الخارجي من إيران ودول منطقة الخليج.

إذاً، كان الاستعراض العسكري الأخير لجيش تحرير الشعب الصيني، هو الاستعراض العسكري الأضخم من نوعه، والأكثر تنظيماً ودقة، والأكثر سخونةً من ناحية وظيفته ورسائله السياسية، الرسائل المُتعددة الاتجاهات، وقد أرادت القيادة الصينية إرسالها لعدةِ أطرافٍ دوليةٍ دفعةً واحدةً، من واشنطن إلى حكومة تايوان؛ حيث تابعت الأخيرة تطوير علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك التزود بمنظمة سلاحٍ صاروخيٍ جديد، وتسهيل حركة القطع البحرية الأميركية في بحر الصين الجنوبي، ومناكفة بكين من حينٍ لآخر. 

ولا يغيب عن بالنا هنا أن هناك توتراتٍ مُتزايدة تعيشها العلاقات الصينية الهندية لها علاقة أيضاً بمسائل حدودية، لم يجر حلها حتى الآن، ويبدو أنها تسير على طريقٍ مُعقّد، وبالتالي فإن الهند ليست بعيدة أيضاً عن رسائل العرض العسكري، وخطاب الرئيس الصيني الذي تحدث عن الأمة الصينية، وعن تراب الصين وارضها الوطنية.

وعلينا، أن نلحظ هنا، أن الاستعراض العسكري جرى هذه المرةِ، وعلى غيرِ العادةِ، في مكانٍ آخر، حين درجت بكين على إقامة وإحياء الاستعراضاتِ العسكريةِ بمناسباتها الوطنيةِ، في أكبر ساحةٍ في العالم، هي ساحة «تيان آن من»، أي ساحة (قصر السلام السماوي) وسط بكين، التي تتسع لدخول ربع مليون جندي مقاتل دفعةً واحدة، وسط العاصمة بكين، وهي تلك الساحة التي شَهِدَت عام 1989 القمع الدموي لطلاب الجامعات الصينية.

فاختيار المكان الجديد للعرض العسكري، له وظيفته السياسية المباشرة أيضاً في منطقة تَشهَد بعض الاضطرابات، وتستغلها واشنطن في إثارة القلاقل داخل الصين، إن ذلك دفع بكين لإقامة العرض العسكري ولأول مرة في تلك المنطقة بعيداً عن ساحة «تيان آن من». وعلى هذا، ربما يتم العرض العسكري القادم في مناطق تركستان الشرقية (المعروفة صينياً بإقليم شينغيانغ) وهي مناطق (الأقلية المسلمة من الإيغور) التي تَشهد اضطراباتٍ من حينٍ لآخر.

* علي بدوان كاتب صحفي ومحلل سياسي

المصدر | علي بدوان | الوطن القطرية