الأحد 27 أغسطس 2017 07:08 ص

أسئلة تاريخية تعلقت بمحدودية إنجازات العرب ولوبياتهم داخل العاصمة الأميركية واشنطن. اجتهد كثيرون لتفسير هذا الضعف، وهناك من خرج، تارة، يقول إن اللوبي العربي يواجه أخطبوطاً تمكّن من مفاصل السياسة الأميركية المتعلقة بالشرق الأوسط، اسمه اللوبي "اليهودي أو الإسرائيلي"، ولن يستطيع العرب مجابهته.

وتارة أخرى، ادعى بعضهم أن عدم مزاولة المجتمعات العربية السياسة، بسبب انتشار الديكتاتورية والاستبداد وغياب المنافسة السياسية، أدى إلى عدم اقتناع جالياتهم وممثليهم في الولايات المتحدة بجدوى الاستثمار في محاولاتٍ للتأثير على صانعي القرار الأميركي، إلا أن الناظر إلى موضوع "اللوبي العربي داخل واشنطن" يصطدم برؤيته يسير في منحنياتٍ غير مسبوقة وخطيرة من ناحية. ومن ناحية أخرى، تدعو إلى مزيد من اليأس، فيما يتعلق بواقعنا العربي المرير وأُفقه المستقبلية.

وتشهد واشنطن ظواهر جديدة ابتكرتها النظم العربية الحاكمة، فعلى الرغم من أن هذه العاصمة، شئنا أم أبينا، تلعب دوراً مهماً ومحورياً في قضايا عربية كثيرة، ويحدّد موقفها تجاه أزمةٍ أو قضيةٍ ما موقف بقية دول العالم باستثناءات قليلة، إلا أن واشنطن، وفي الوقت نفسه، تسمح، لطبيعتها السياسية وإجراءاتها القانونية، ببقائها مدينةً مفتوحة، يمكن التنافس فيها على التأثير في الموقف والقرار الأميركي تجاه قضايا كثيرة، من خلال شرعنة ظاهرة اللوبي والعلاقات العامة.

وسمح الفصل بين السلطات بانتشار مراكز القوى وتوزّعها بين السلطة التنفيذية والكونغرس والقضاء والإعلام وجهات غير حكومية بوجود مساحاتٍ واسعة للتأثير على عملية صنع السياسة الخارجية، حال فهم طبيعة المدينة وحدود التحرّك ومحفزاته داخلها.

إلا أن النظم العربية الحاكمة لم تكتف، كما فعلت خلال العقود الأخيرة، من تجاهل القضية الفلسطينية في جهود لوبياتها، ولم تكتف كذلك بتجنب الاحتكاك باللوبي الإسرائيلي أو منافسته، ولم تكتف بترويج قمة السلطة الحاكمة ورأسها في هذه الدولة أو تلك، ولم تكتف هذه النظم بمحاولاتٍ فاشلةٍ لتجميل سجلاتٍ قبيحة، خصوصاً في ما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وحقوق المرأة، مستخدمةً ذرائع ومبرّرات تتمحور على أهمية قوة علاقاتها الاستراتيجية بواشنطن، بل إن لوبيات عربية عديدة تبنت، في الأشهر والأسابيع الأخيرة، استراتيجيات جديدةً تشمل، ضمن ما تشمل، تشويه صور "دول عربية شقيقة"، وتضغط على واشنطن لتعادي حركاتٍ سياسية وجماعات مقاومة عربية وفلسطينية، وتنعتها بالإرهاب، والتعاون العلني مع اللوبي الإسرائيلي في "أجنداتٍ تخدم أهدافاً مشتركة".

أما جديد الجديد، فتمثل في إحضار التنافس السياسي المحلي وصراعات بعض المسؤولين العرب داخل دولهم إلى واشنطن، سعياً إلى الحصول على ما يرونها بركةً أميركية ضرورية في صراعاتهم وتنافسهم الداخلي.

... قبل شهر تقريباً من زيارة الرئيس دونالد ترامب الرياض، قبل نهاية مايو/ أيار الماضي، أبرمت وزارة الداخلية السعودية، وكان على رأسها محمد بن نايف، تعاقداً مع شركة لوبي لتخدم مصالحها وأهدافها داخل واشنطن.

وجاء التعاقد غريباً، إذ إن العرف هو تعاقد السفارات، كونها الممثل الرسمي للدول، مع شركات اللوبي، وبعد عشرة أيام على تعاقد وزارة الداخلية السعودية وشركة "مجموعة سنوران للسياسات"، تم تسجيل العقد، الذي اطلعت عليه، لدى وزارة العدل، كما تنص القوانين الأميركية.

ويتضمن التعاقد الذي يستمر عاماً أن تدفع الوزارة 5.4 ملايين دولار للشركة، وتحصل عليه في صورة أقساط شهرية تبلغ 450 ألف دولار شهرياً. ونظير ذلك، تقدم الشركة الدعم لوزارة الداخلية السعودية في واشنطن وخارجها، من خلال استشارات متنوعة، تتضمن مجالات العلاقات العامة والتواصل الإعلامي والشؤون العامة والتسويق لها والتواصل مع الساسة الأميركيين. 

وبعد تسجيل التعاقد بخمسة أسابيع، في 21 يونيو/ حزيران الماضي، تمت إطاحة ولي العهد السعودي ووزير الداخلية محمد بن نايف، وتجريده من مناصبه. ثم كشفت أخيراً صحيفة بوليتيكو أن العقد الذي وقعه ولي العهد السعودي السابق قد أُلغي في اليوم نفسه الذي تمت فيه إطاحة الأخير لصالح الأمير محمد بن سلمان. ولا يخفى على واشنطن أن التعاقد المذكور جاء في إطار المنافسة السياسية بين الرجلين، من أجل الحصول على ما يعتقدون أنه "مباركة ودعم أميركي" في صراعهما على سدة الحكم في المملكة السعودية. 

وتتعاقد جهات عربية مع شركات لوبي بصورة جديدة طبقاً لتقاليد العاصمة واشنطن، فقد تعاقدت الحكومة المصرية، ممثلة في جهاز المخابرات العامة، مع شركتين أميركيتين (شركة لوبي سياسي تقليدية مقرّها واشنطن، وشركة علاقات عامة مقرّها نيويورك) لتثير استغراباً كثيراً، وتطرح أسئلة عديدة، فقد كشفت وزارة العدل الأميركية، نهاية فبراير/ شباط الماضي، عن تعاقد جهاز المخابرات المصرية يوم 18 يناير/ كانون الثاني الماضي مع شركة كاسيدي أند أسوشيتس مقابل 50 ألف دولار شهريًا، ومع شركة ويبر شاندويك مقابل 100 ألف دولار شهريًا، أي ما مجموعه 1.8 مليون دولار سنويًا، بالإضافة إلى المصروفات الإدارية، وأية مصروفات تتعلق بمهام خاصة.

وقبل أيام، ألغت الشركة الثانية تعاقدها مع الجانب المصري، قبل أن يوقع اتفاقاً جديداً مع شركة أبكو العالمية. ويتضمن التعاقدان المذكوران مهام تقليدية، خلاصتها أن الشركتين ستساعدان الحكومة المصرية على ترويج مواقفها في واشنطن، بالتركيز على الشراكة الاستراتيجية مع أميركا، وعلى أهمية دور مصر في حل أزمات منطقة الشرق الأوسط.

وجاء هذا التعاقد، على الرغم من وجود تعاقد قائم بين السفارة المصرية في واشنطن مع شركة لوبي كبيرة، تدعى مجموعة جلوفر بارك، منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2013، ومقابل ثلاثة ملايين دولار سنويًا تدفعهم عنها دولة الإمارات.

وقد جاءت الأزمة الخليجية، أخيراً، والمستمرة، لتدفع مزيداً من المال العربي المهدر في واشنطن. وعلى الرغم من وجود مصالح مادية مشتركة، أكثرها وضوحاً في ما يتعلق بنزاع حاد بين كبريات شركات الطيران الأميركية (يونايتد ودلتا وأميركان) من ناحية في مواجهة ثلاث شركات طيران خليجية رائدة (الإمارات والاتحاد والقطرية) على خلفية اتهام الشركات الأميركية نظيراتها الخليجية بممارسة منافسة غير شريفة، لأنها تتلقى مساعدات من حكوماتها.

وتستخدم الشركات الأميركية شركات لوبي عديدة للتضييق على الشركات الخليجية، ونُشرت أخيراً ملفات مجمعة تُظهر تلقي الشركات الخليجية مساعدات حكومية تتخطى خمسين مليار دولار، وهو ما تراه الشركات الأميركية متعارضاً مع شروط اتفاقيات السماوات المفتوحة (open sky) الموقعة بين الولايات المتحدة وكل من قطر والإمارات.

وبدلاً من الوقوف في صف واحد، ضاعفت دول الصراع الخليجي من تعاقداتها التي تكلف ملايين الدولارات مع كبريات شركات اللوبي والعلاقات العامة للدفاع عن موقفها ومهاجمة الطرف الآخر في أزمةٍ لا تخدم أحداً.

في العلن، تسعد لوبيات واشنطن من غزارة المال الخليجي المتدفق على واشنطن في الأسابيع الماضية، وفي الغرف المغلقة تسخر هذه الشركات من سلوك هذه الدول، وإهدارها ملايين الدولارات مقابل مكاسب وهمية.

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأميركية من واشنطن.