الاثنين 18 سبتمبر 2017 04:09 ص

يشكل احترام القوميات وثقافاتها ومعتقداتها عنصرا مهما في الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا الاحترام ينسجم مع طبيعة بشرية تحرص على العيش مع الشبيه في اللغة والعادات والتقاليد والجغرافيا. وقد استقرت الأنظمة الأوروبية بعد انتباهها لأهمية القومية والتاريخ الجمعي للشعوب، فأنشأت كانتونات تتمتع بقدر من الإدارة الذاتية يحقق «الراحة الانتمائية» لكل مجموعة. أما الدول التي لا تزال تؤمن بتذويب الأعراق لصالح الدولة، فإنها تعاني وستبقى تعاني من عدم الاستقرار، ولهذا تجري استفتاءات في مناطق كثيرة من العالم حول استقلال منطقة معينة، أو منحها الإدارة الذاتية، وكان آخر دعوات الاستفتاءات في إقليم كتالونيا في إسبانيا، تلاه استعداد للاستفتاء الرسمي للقومية الكردية في العراق.

كثيرون لا يتفقون مع هذا الطرح، ويرونه إضعافا للدولة الأم، التي صنعتها الحملات العسكرية والاقتصادية ووسعت حدودها حتى باتت إمبراطوريات في وقت من الأوقات، ما لبثت أن انكمشت بفعل التطور الفكري والقانوني والاعتراف بسيادة الشعوب والقوميات وحقوقهم للتمتع بإدارة شؤونهم بأنفسهم، حتى زالت معظم ملامح الاستعمار القديم، ولا نود ضرب أمثلة في هذا الشأن لأننا سنكون أمام تضارب بين الدين والقومية، واستطرادا نقول إن الدول - الإمبراطوريات التي قامت على الدين تلاشت وانكمشت، وما زالت تعاني من القلاقل والاضطرابات، كما أن الإمبراطوريات التي قامت على الفكر الحزبي والشمولي ولم تأخذ في الاعتبار خصوصيات القوميات تلاشت أيضا، ولنا في ذلك مثال في الاتحاد السوفييتي، الذي تفكك ونشأت مكانه دول تتجاذبها الأحلاف.

القضية مركبة جدا حين تتداخل فيها السياسة والأطماع بذريعة الاستراتيجيات القومية والأمن القومي، وهذا يعكس رفضا (لاسترخاء) الشعوب التي يجمعها تاريخ وثقافات ضاربة في عمق التاريخ. الحالة العربية لا تختلف عما تحدثنا حوله، فقد قسم المنتصرون في الحربين العالميتين الأولى والثانية المنطقة العربية تقسيما عشوائيا (ماكرا)، بحيث يبقي على عنصر التوتر. وزاد الأمر تعقيدا تفكك الإمبراطورية العثمانية التي حاولت صهر القوميات والأديان، ومع انكماشها بدأت تطالب هذه القوميات بتشكيل كيانات، لكن الاستعمار ووكلاءه ورجالاته، حالوا دون الاعتراف بهذه القوميات، ومن بينها القومية الكردية، الموجودة في العراق وسوريا وتركيا وإيران، ويتراوح عدد أفرادها ما بين 25 و30 مليون نسمة، لهم ثقافتهم ولغتهم.

إن دوافع اعترافنا الشخصي بهذه القومية وحقها في إدارة ذاتها يختلف عن دوافع المفكرين الأمريكيين والصهاينة، فنحن نؤمن بأهمية الإدارة الذاتية للقوميات الكبيرة، والقومية الكردية من بين أكبر القوميات في العالم التي لا تتمتع بكيان يمارس فيه أفرادها إدارة شؤونهم، أما الاستراتيجيات التي تطرحها مراكز البحث والسياسيون في الولايات المتحدة فهدفها تفتيت المنطقة، لأنها ببساطة تعتمد على تفتيت المنطقة العربية وفق الدين والمذهب، وهذه الطروحات تندرج مرة تحت الشرق الأوسط الكبير ومرة أخرى تحت شعار احترام الأقليات والأعراق والديانات والمذاهب.

وهذه الأفكار ليست جديدة، وتعود إلى العام 1953، حين وضع بن غوريون، أول رئيس وزراء لحكومة العدو «الإسرائيلي»، بالتعاون مع أمريكا وبريطانيا مشروع تفتيت الوطن العربي. وفي عام 1972 تم ترجمة وثيقة عبرية، هي جزء من ذلك المشروع، تتحدث عن تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات ضعيفة: كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب.

وبما أن الحديث هذه الأيام يدور حول الدولة الكردية فإن خريطة الدم التي نشرت في العام 2006 في الولايات المتحدة تستغل سقوط بغداد لإنشاء دولة كردية تمتد من ديار بكر في تركيا إلى تبريز في إيران. وتفترض الخطة أنه بعد قيام الدولة الكردية المستقلة في العراق وتركيا، فإن أكراد إيران وسوريا سينضمون بمناطقهم مباشرة إليها وسيشكلون (دولة كردستان الكبرى المستقلة) بحدودها النهائية.

ولعل الفاحص لهذا التقرير سيقع على جملة خطرة تقول إن الحروب المستمرة بين العرب واليهود ليست صراعا على الوجود بل هي خلاف على الحدود، وأن المنطقة ستظل تعاني من الاضطراب ما دامت الحدود مضطربة وغير نهائية. لذلك ومن أجل شرق أوسط أمريكي (جديد - كبير) يتم تقديم خريطة أمريكية جديدة تلغي الحدود القائمة.

ولا بد من الإشارة إلى أن قيام دولة «إسرائيل» لتجمع يهود العالم في فلسطين لا علاقة له باحترام القوميات، فالدين ليس قومية على الإطلاق، ولو كان كذلك، فليتجمع مسيحيو العالم ومسلموه والبوذيون في دول منفصلة، وليتم تقسيم الكرة الأرضية وفق الدين، وهو أمر لا يقبله عقل.

وبالعودة إلى الواقع الذي أنتج التطرف في المنطقة، فإن الولايات المتحدة وغيرها، تهدف إلى إبقاء العالم العربي متشرذما على مدى عشرات السنين، واستخدام الأكراد ورقة خارقة حارقة وخطيرة لاستدامة الصراع، من خلال العزف على التناقض، ففي الوقت الذي يطالب فيه الأكراد بالاستقلال أو نوع من الاستقلال، فإن الولايات المتحدة ترفض ذلك، متنكرة لفكرها واستراتيجياتها في المنطقة، ولهذا تهيئ الأرض لصراع طويل المدى بين الأكراد والعرب، يقضي على ما عجزت التنظيمات المتطرفة القضاء عليه خلال ست سنوات.

وهذا يتطلب الانتباه العربي الشديد لما ترسمه الدوائر الخارجية، وإعادة إعمال الوعي الوطني والقومي، لوضع استراتيجية عربية حقيقية للنهوض الشامل، وهذا طرح يتطلب مقالة منفصلة.

* د. عبدالله السويجي - كاتب من الشارقة وأكاديمي مختص بالإدارة والموارد البشرية

المصدر | الخليج - الشارقة