الأربعاء 20 سبتمبر 2017 06:09 ص

«لم تصنع أزمة الخليج شقوقا في العلاقات الخليجية - الخليجية وحسب، بل أثَّرت، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، في عدد من المقاربات السعودية للإقليم»، هكذا خلص تقدير موقف لمركز «دراسات الجزيرة».

التقدير الذي حمل عنوان «تأثيرات أزمة الخليج على التوازنات الإقليمية»، خلص إلى أن «الأزمة الخليجية أثرت على تفاعلات أطرافها مع محيطها الإقليمي، نتيجة بروز مخاطر وفرص دفعت مختلف القوى إلى تغيير أولوياتها ومراجعة اصطفافاتها».

كما لفتت الدراسة، إلى أن الطموحات الخليجية المعلقة على مجلس التعاون الخليجي ومستقبله قد انتهت، أو أصبحت أكثر تواضعًا بعدما انقسم ظاهريا بصورة غير رسمية، إلى معسكرين: الأول، يضم دول الحصار والقطيعة الثلاث؛ والثاني يضم قطر والكويت وعمان.

تحولات سياسية

وأشارت الدراسة، إلى أن أزمة الخليج اندلعت في وقت باتت الرياض أكثر إدراكًا لتعثر حربها في اليمن، بعد أكثر من عامين على بدء الحرب؛ وهذا ما يدفع السعودية إلى محاولة تخفيف حدَّة التوتر مع إيران، ظهر ذلك في الاستقبال الدافئ والترحيبي الذي وجده الحجاج الإيرانيون من المسؤولين السعوديين في موسم الحج الأخير.

كما أن الجهود السعودية لإعادة بناء العلاقات مع العراق، الذي تتمتع فيه إيران بنفوذ كبير، كانت أكثر وضوحًا، ولكن هنا أيضا تبدو الآمال السعودية مبالغا فيها، لكن رئيس الوزراء العراقي «حيدر العبادي» الذي زار السعودية، أعلن بوضوح، قبل وبعد زيارته، أن بلاده لن تشارك في حصار قطر بأي صورة من الصور.

«مقتدى الصدر» زعيم التيار الصدري الشيعي في العراق، الذي زار السعودية مؤخرا، امتنع كلية عن الإدلاء بأية تصريحات ضد قطر، بالرغم من الدفء الاستثنائي الذي أحيطت به زيارته.

ولا يقل انعكاس الأزمة الخليجية على سياسات السعودية تجاه نظام «عبدالفتاح السيسي» في مصر، والمسألة السورية عنه على الموقف من إيران والعراق، فتراجعت المملكة عن وعود الدعم المالي لنظام «السيسي».

أما في سوريا، فثمة مؤشرات متزايدة على أن الرياض تمهِّد لانسحاب حثيث من دعم المعارضة السورية لنظام «بشار الأسد»، سواء لمحاولتها تخفيف الأعباء الملقاة على عاتقها بعد اندلاع الأزمة الخليجية، أو رغبتها في إرسال رسائل إيجابية لإيران، أو تقديرها بأنها خسرت معركة سوريا.

العلاقة بـ(إسرائيل)

وبحسب الدراسة، فإن أخطر متغير في سياسات الرياض الخارجية، يتعلق ببروز أدلة على بداية علاقات سعودية-إسرائيلية.

أما مؤشرات هذه المقاربة، فكانت عبر اللقاءات العلنية بين الأمير «تركي الفيصل» رئيس جهاز المخابرات السعودية الأسبق، وعدد من المسؤولين الإسرائيليين، في مؤتمرات عُقدت بأوروبا والولايات المتحدة، أو الزيارة التي قام بها الجنرال السعودي المتقاعد «أنور عشقي»، وعدد من الشخصيات السعودية المغمورة للدولة العبرية، فضلا عن الاتصالات السعودية-الإسرائيلية غير المباشرة بخصوص مسألة جزيرتي «تيران وصنافير» المصريتين، التي تقول السعودية إنهما تعودان لها.

وتعد التقارير التي تحدثت في الأسبوعين الأولين من سبتمبر/أيلول الجاري، بأن أميرا سعوديا قام بزيارة سرية للدولة العبرية سابقة في تاريخ الموقف السعودي من الدولة العبرية، بغض النظر عن شخصية هذا الأمير، ما يعزز صدقية تقرير الزيارة أن الحكومة الإسرائيلية امتنعت عن إنكار وقوعها؛ بل إن رئيس الحكومة الإسرائيلية «بنيامين نتنياهو»، لم يتردد، في تعليق مستبطن على تقرير زيارة الأمير السعودي، في القول إن العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية وصلت مستوى غير مسبوق.

ولفتت الدراسة، إلى أن السعودية بهذه المقاربات، أرادت إرسال رسائل للدولة العبرية لتوكيد التوافق بين الدولتين على الموقف من إيران وبرنامجها النووي، وتسهيل انتقال السيادة على جزيرتي «تيران وصنافير»، اللتين تتصلان بحركة الملاحة عبر مضيق «تيران» واتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر و(إسرائيل).

وأضافت الدراسة: «الحاصل أن ثمة من يعتقد في الرياض أن إقامة علاقات مع الدولة العبرية سيصب لصالح المواجهة مع إيران، في حال لم تنجح محاولات حل إشكاليات العلاقات السعودية - الإيرانية، وأن التأييد الإسرائيلي لحصار قطر ومحاولة إخضاعها، لاسيما في الساحة الأمريكية، سيعزز الموقف السعودي في أزمة الخليج».

تفاعلات تركيا

وبحسب الدراسة، فإن الأزمة الخليجية لم تلق بثقلها على المقاربة السعودية لإيران وحسب، بل وعلى مجمل العلاقات الخليجية مع إيران، كما على دور تركيا وعلاقات أطراف الأزمة الخليجية المختلفة معها.

وكان من الواضح، منذ بداية الأزمة، أن طهران أخذت موقفا مؤيدا لقطر ومناهضا لإجراءات الحصار والقطيعة معها، وليس ثمة شك في أن انحياز إيران لقطر نبع من طبيعة المواجهة السعودية-الإيرانية، وخشية إيران من سيطرة سعودية خليجية إن استطاعت الرياض فرض شروطها على الدوحة.

كما أن تركيا، كانت القوة الإقليمية التي برزت في مجريات الأزمة باعتبارها الدولة صاحبة الدور الأكثر حيوية في منطقة الخليج.

ورغم أن تركيا حاولت التوسط مبكرًا في الأزمة، لكن تلك المحاولة لم تأتِ بنتائج تُذكر، بل وسرعان ما فوجئت أنقرة بإجراءات الحصار والقطيعة مع قطر في 5 يونيو/حزيران 2017، وهو ما دفع الحكومة التركية، التي كانت قد وقَّعت اتفاقية تعاون إستراتيجي مع قطر في 2014، إلى طلب تصديق البرلمان العاجل على الاتفاقية، ومن ثم بدء جهود حثيثة لتشغيل القاعدة العسكرية التركية في قطر.

وليس ثمة شك في أن وصول القوات التركية إلى قطر أسهم بصورة ملموسة في إجهاض خطط التصعيد العسكري من قبل السعودية والإمارات.

كما سارعت أنقرة إلى إطلاق عملية نقل جوي كبيرة لتوفير المواد الغذائية في السوق القطري، التي تأثرت إمداداتها بفعل إجراءات الحصار وإغلاق المعبر البري القطري الوحيد مع السعودية.

ونجم عن الدور الذي لعبته تركيا في الأزمة عدد من النتائج؛ فمن جهة، انتقلت العلاقات القطرية-التركية إلى مستوى أعلى من الصداقة والتحالف؛ وببدء تشغيل القاعدة العسكرية في قطر، أصبحت تركيا طرفًا مباشرًا في توازنات الخليج الإستراتيجية.

ومن جهة أخرى، عاد البرود من جديد إلى العلاقات التركية-الإماراتية، بعد شهور من محاولات التطبيع بين البلدين.

من جهة ثالثة، شجعت الأزمة، واستجابة تركيا السريعة لتنفيذ التزاماتها مع قطر، الكويت على الارتفاع بمستوى العلاقات التركية-الكويتية.

انعكست أزمة الخليج، في الوقت نفسه، على العلاقات التركية-الإيرانية، سيما أن كلتا الدولتين اتخذتا موقفًا اعتُبر في جوهره مؤيدًا لقطر وحرصًا على أمنها واستقرارها.

نتائج

وبحسب الدراسة، فإن الأزمة الخليجية ولدت ثمة علاقات ثنائية جيدة أصبحت أكثر وثوقا، وجهود متفرقة لتجاوز قطيعات سابقة وبناء علاقات أفضل؛ فيما تراجعت علاقات جيدة في المقابل بصورة ملموسة أو انتقلت إلى مستوى الخصومة والعداء.

العلاقات القطرية-التركية، مثلًا، كانت علاقات ثابتة منذ سنوات قبل اندلاع الأزمة، ولكن الأزمة نقلتها إلى مستوى أعلى بكثير، سياسيا وعسكريا واقتصاديا؛ كما أنها جعلت من تركيا طرفا أساسيا في خارطة الخليج الإستراتيجية.

على الجانب الآخر، ليس من الواقعي الحديث عن تحالف تركي-إيراني أو قطري-إيراني.

الخلافات بين أنقرة وطهران حول مستقبل سوريا وطبيعة الحكم في العراق لم تزل جوهرية، ويصعب تجاهلها، كما أن لا أنقرة ولا الدوحة تريدان تغلغلا إيرانيا أكبر في منطقة الخليج والجزيرة العربية.

وبحسب الدراسة، فإنه «مهما كانت طموحات صانعي السياسة السعودية للعلاقات مع العراق وإيران، فلن يمر وقت طويل قبل أن يدرك السعوديون أن منافسة إيران في العراق ليست شأنًا سهلًا، وأن إخراج إيران من العراق أو إضعافها يتطلب حربًا وليس مجرد الاحتفاء بزيارة قادة عراقيين شيعة للسعودية أو إغراءات مالية».

كما أن تطبيع العلاقات السعودية-الإيرانية ليس ممكنا بدون تنازلات سعودية كبيرة في العراق وسوريا ولبنان، أي في حزام السعودية الشمالي برمته.

كما أنه ليس من المتيقن أن دول الحصار والقطيعة الأربع، ستنجح في الحفاظ على علاقاتها شبه التحالفية لفترة طويلة.

على المستوى الخليجي، ليس ثمة شك في أن الأزمة صنعت انقلابا هائلا في العلاقات الخليجية-الخليجية، وأن عواقب هذا الانقلاب يصعب احتواؤها حتى إن توصلت دول الخليج لحل ما للأزمة في الشهور المقبلة.

ولم يعد ممكنًا التئام الشرخ الخليجي بلقاءات عشائرية وموائد مصالحة، وتبدو دول الخليج كأنها في طريق للانتقال من مرحلة التعاون والتنسيق ضمن إطار مجلس التعاون في مواجهة الأخطار الخارجية، إلى البحث المنفرد عن الأمن والحماية من مخاطرها على بعضها البعض.

كما أن قطر لن تتخلى عن علاقاتها الحميمة واتفاقياتها مع تركيا، ولن تعود إلى مناكفة إيران إرضاءً للسعودية؛ وعُمان ستحرص على توثيق وتعزيز علاقاتها مع إيران؛ بينما بدأت الكويت بالفعل إعادة النظر في حساباتها الأمنية والإستراتيجية.

المصدر | الخليج الجديد + الجزيرة