الاثنين 25 سبتمبر 2017 02:09 ص

لم يكن يوما كسابقيه من أيام الاحتفال اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، فاحتفال 2017 شهد عددا من الظواهر التي لم تحدث قبل ذلك في تاريخ المملكة، الغناء والرقص والاختلاط امتد حتى ساعة متأخرة من الليل.

صورة تتناقض مع فتاوى العلماء والدعاة المؤسسين للمملكة الذين سبق أن أفتوا مرارا بحرمة الاحتفال بأي أعياد غير عيدي «الفطر» و«الأضحى»، وحرموا الاختلاط وكشف النساء وجوههن.. لكن الاحتفال الذي شاركت في تنظيمه «هيئة الترفيه» للمرة الأولى لم ير في ذلك بأسا.

وتحتفل المملكة العربية السعودية بالعيد الوطني، في 23 سبتمبر/أيلول من كل عام، وهو اليوم الذي تم فيه توحيد المملكة وتغيير اسمها من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، إلى المملكة العربية السعودية وكان ذلك عام 1932.

لكن الاحتفال كان مختلفا هذا العام، حيث سمحت «هيئة الترفيه» لأول مرة في تاريخ المملكة للنساء بدخول إستاد الملك فهد الدولي في الرياض، والمشاركة بالاحتفالات، لكن التجاوزات التي غصت بها الاحتفالات دفعت مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي إلى إطلاق وسم بعنوان «الوطنية ليست بالمعاصي»، بعد ظهور مقاطع مصورة تظهر الاحتفالات بالعيد الوطني، السبت.

وتحدث المغردون عن أمور عدة؛ مثل مسألة الاختلاط بين الجنسين، والعروض والحفلات الموسيقية التي لم تكن بهذا الحجم في السابق، والتركيز على مسألة الوطنية بدلا من الدين، كما انتقدوا الحفلات التي تم تنظيمها في شوارع المملكة، حيث قام فيها الشباب بالرقص والغناء على أنغام موسيقى عربية وغربية.

مشاهد الاحتفال رآها مغردون تتعارض مع مكانة المملكة العربية، ودورها كواجهة للإسلام وبلد يضم الحرمين الشريفين، حيث لم تظهر قبل ذلك مطلقا بتلك الصورة، كما تساءلوا عن الفراغ الذي أحدثه غياب «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» رغم كل ما كان منها من تجاوزات.

تشبه بالكفار

وسبق للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة مفتي المملكة العام الراحل الشيخ «عبد العزيز بن باز»، أن أفتت ردا على سؤال حول مشروعية الاحتفال باليوم الوطني للمملكة، بأنه «بدعة محدثة ممنوعة لما فيه من التشبه بالكفار» بحسب الفتوى الموقعة باسم المفتي العام الراحل.

ووفقا لنص الفتوى، فإن «العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورا منها يوم عائد كيوم عيد الفطر، ويوم الجمعة، ومنها الاجتماع في ذلك اليوم، ومنها الأعمال التي يقام بها في ذلك اليوم من عبادات وعادات».

وأضافت: «وما كان من ذلك مقصودا به التنسك والتقرب أو التعظيم كسبا للأجر، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية أو نحوهم من طوائف الكفار فهو بدعة محدثة ممنوعة داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ومثال ذلك الاحتفال بعيد المولد، وعيد الأم، والعيد الوطني، لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله، وكما في ذلك التشبه بالنصارى ونحوهم من الكفرة، ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار».

كما يمكن القول إن مسألة «الاختلاط» و«السفور» و«سماع الموسيقى» و«الغناء» كانت من المسائل التي بذل فيها علماء السعودية جهودا كبيرة بدعم رسمي لبيان حرمتها والتنفير منها، لكن السلطات الرسمية بدا أنها نفضت يدها من تلك المسائل.. ليس على مستوى الدعم فقط.

تقليص الهيئة

وخلال الشهور الماضية، أجرت المملكة تعديلات واسعة على صلاحيات «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، التي كانت تعتبر حاميا لتلك الآراء الفقهية ومراقبا لتنفيذ المجتمع تعاليمها، وقد أدت تلك التعديلات إلى تقليص وجود الهيئة ونفوذها بشكل مفاجئ، رأى بعض أكثر منتقدي أداء الهيئة وتجاوزاتها سابقا أنه ترك فراغا مفاجئا في الشارع السعودي.

وتأسست «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» عام 1940، كجهة مكلفة بتطبيق نظام الحسبة المستوحى من الشريعة الإسلامية، وكانت وظيفتها الأهم هي ضمان امتثال الجمهور للتعاليم الإسلامية -المعتمدة بالسعودية- في الشوارع والأماكن العامة.

لكنه في أبريل/نيسان 2016، أقر مجلس الوزراء السعودي بموافقة ملكية تنظيما جديدا لـ«هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، والذي بموجبه منع رؤساء المراكز أو أعضاء الهيئة من إيقاف الأشخاص أو التحفظ عليهم أو مطاردتهم أو طلب وثائقهم أو التثبت من هوياتهم أو متابعتهم، التي تعد من اختصاص الشرطة والإدارة العامة لمكافحة المخدرات، واقتصر دور الهيئة على تقديم البلاغات في شأن ما يظهر لها من مخالفات أثناء مزاولتها لاختصاصها إلى الشرطة.

وعقب فعاليات اليوم الوطني للمملكة، دعا ناشطون ومغردون سعوديون، إلى عودة «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للعمل من جديد، وبصلاحيات أوسع، لضبط مخالفات تعاليم الإسلام والمجتمع السعودي المحافظ.

وتأتي هذه المطالبات، تزامنا مع تصويت مجلس الشورى السعودي (البرلمان)، الإثنين، على توصيات تطوير عمل «الهيئة» بعد أنباء عن دمجها بوزارة الشؤون الإسلامية، وهي التطويرات التي اعتبرها مراقبون تمهيدا لإلغاء الهيئة.

محتسب متطوع

وبسبب انتشار التجاوزات وغياب «الهيئة»، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر شخصا وهو يعترض طريق المارة في شارع الفن بأبها، ويناصح إحدى الفتيات، خلال احتفالات اليوم الوطني للمملكة، ولم يتم التأكد إذا كان تابعا لهيئة الأمر بالمعروف، أو شخص محتسب متطوع من خارج الجهاز.

الفيديو الذي انتشر بين الناشطين رفضه البعض باعتباره «تعديا» على الفتيات، وانتقد البعض تصرفه تحت وسم «تعدي عضو هيئة الأمر بالمعروف»، بينما دعمه آخرون باعتباره «لم يخش في الله لومة لائم»، بحسب وصفهم.

وأظهر مقطع الفيديو رجلا يخاطب إحدى الفتيات بقوله: «جالسين بين الرجال، ما فيه حياء ولا دين ولا قبيلة، ستسألين بين يدي الله حافية عارية»، وبينما أخذ بعض المارة من النساء ينظرن إليه لوقوفه في منتصف الطريق، رد عليهم قائلا: «في يوم القيامة بتكونين حافية عارية ما فيه ضحك».

ونقل موقع «عين اليوم» السعودي، عن المتحدث الرسمي باسم الهيئة بمنطقة عسير «محمد مرعي»، قوله إنه جار التحقق من هوية الشخص الذي ظهر في مقطع الفيديو المتداول.

ويقول مراقبون إن ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان» يسعى إلى الحد من نفوذ التيار الديني، ضمن ما يسميها بـ«إصلاحات» تدفع المجتمع السعودي المحافظ بطبعه نحو مزيد من التغريب، ظنا منه أن ذلك التوجه سيجلب له رضا الغرب ودعمه لخطوة تنصيبه ملكا.

«هيئة» مكان «هيئة»

التحول الكبير في مظاهر الاحتفال السعودي -والذي وصفه البعض بـ«الطفرة»- جاء متزامنا مع تغييب «هيئة الأمر بالمعروف» وبروز «هيئة الترفيه» التي يدعمها الأمير الشاب الطامح في اعتلاء العرش ولي العهد «محمد بن سلمان» ضمن رؤيته للاقتصاد السعودي المعروفة اختصارا باسم «2030»، لتشهد السعودية تغييرات حادة في طبعها المحافظ، وكان من أبرز مظاهره نشاطات «هيئة الترفيه».

وخلال الأشهر الأخيرة، فجرت أنشطة تلك الهيئة في مدن سعودية بينها جدة (غرب)، والرياض (وسط)، والدمام (شرق)، والتي تضمنت حفلات راقصة وغنائية، صراعا محتدما بين التيارين المحافظ والليبرالي.

كما ذكرت صحف غربية، أن السعودية ستكسر تقاليدها الدينية الصارمة وتفتح منتجعا على ساحل البحر الأحمر، حيث سيتم السماح للأجنبيات بارتداء «البيكيني» جنبا إلى جنب مع الرجال.

ويعتبر هذا المشروع من بنات أفكار «بن سلمان»، وسيتم تمويله من قبل صندوق الاستثمار العام (صندوق الثروة السيادية) في البلاد، الذي يرأسه قبل فتح المجال أمام مستثمرين أجانب.

المصدر | الخليج الجديد