الأربعاء 27 سبتمبر 2017 03:09 ص

تسببت الحلقة الجديدة من الصراع السعودي - القطري في إحداث صدع كبير في وحدة الخليج، يمكن للمرء حتى أن يدعي أنه لا يمكن إصلاحه، ويهدد هذا الوضع بأن يصبح العداء والخصومة سمة دائمة للعلاقات بين دول «مجلس التعاون الخليجي».

ولم يعد هذا المستوى من العداء يحتوي على مصطلحات المصالحة في الخطاب المتبادل، مثل الإخاء والمصالح المشتركة، وبدلا من ذلك، أصبح المجال مفتوحا للقذف والسب، وفي الواقع، أصبح مستقبل «مجلس التعاون الخليجي» معرضا للخطر.

ومن المؤكد أن العواقب ستكون خطيرة، ولا سيما في وقت لا يوجد فيه محفل إقليمي بديل قادر على الاضطلاع بدور توحيد الأطراف المختلفة سياسيا واقتصاديا.

وقد أصبحت «الجامعة العربية» مجرد صورة زائدة عن الحاجة تماما، ومن الرباط إلى بغداد، يتعرض العالم العربي للخطر ويضعف شيئا فشيئا.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد طمحت إلى القيام بدور قيادي، فقد أصبح هذا غير مرجح الآن، حيث أصبحت سياستها الخارجية الإقليمية عدوانية وتدخلية، وحقيقة اعتراف السعودية بأن لها مصالح مشتركة مع (إسرائيل) يزيد من تعقيد الصورة، وقد يعود بنتائج عكسية على المملكة.

المحور القديم للنزاع.. القومية ضد الإسلام

وفي عهد سابق، كانت القاهرة وبيروت وعمان وبغداد ساحات لحروب إعلامية شرسة بين المعسكر القومي العربي، الذي عرف نفسه بأنه معاد للإمبريالية ومناهض للرأسمالية ومناهض لـ(إسرائيل)، ومعسكر آخر إسلامي، حليف للغرب وداعم للاستقرار.

وبعيدا عن هذه الخطابة في الستينات، كانت هناك معركة أوسع، حيث أرادت مصر أن تقود العالم العربي تحت مظلة القومية، ومن ناحية أخرى، شعرت السعودية ومجموعة من الأنظمة الأخرى بالتهديد من الخطاب القومي العربي المصري وكاريزما «عبد الناصر».

وسعت المملكة للحفاظ على التيار المضاد لـ«ناصر» وتسجيل وجودها على الخريطة الجيوسياسية العربية في الستينات.

ومع وضع (إسرائيل) كعدو، وسيطرة إيران على المنطقة في ظل الهيمنة الأمريكية، وابتعاد تركيا خارج الصراع العربي الإسرائيلي، ظلت الحرب الباردة العربية جزئية، على الرغم من تورط الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وقوى إقليمية أخرى.

ومع تاريخ طويل من الطموحات الإقليمية، اختلفت مصر بعمق مع المملكة العربية السعودية الوليدة، في ظل الحرب العالمية الأولى.

وبينما كانت مصر هي بوق القومية العربية منذ خمسينات القرن الماضي، عارضت السعودية هذه الدعاية، مع تفاخرها بقيمتها الإسلامية كموطن للحرمين الشريفين.

ويمكن الرجوع إلى التاريخ لمعرفة ما حدث بعد ذلك، ولكن هناك درسان مهمان يمكن استخلاصهما من هذه الجولة الأولى من الحرب الباردة العربية؛ أولا، كانت السعودية عازمة على القضاء على أي قوى عربية منافسة، ولم تكن لتقبل الدول العربية الأخرى إلا كزبائن يحتاجون إلى النفط السعودي مقابل الولاء والخدمات.

وبالنسبة للقيادة السعودية، كان العربي المثالي هو الذي يعيش في الرفاهية، وعلى استعداد للتنازل عن سيادته، وكان العربي الهادئ هو العربي الوحيد المقبول لدى المملكة.

ويشير الدرس الثاني من الحرب الباردة العربية الأولى إلى مدى استعداد السعودية لاستخدام الإسلام كسلاح في سياستها الخارجية الإقليمية، وقد أطلقت المملكة العنان لجيش من الشيوخ السلفيين تحت تصرفها للتنديد بالقومية العربية، ووصفها بأنها مؤامرة صهيونية ضد الأمة الإسلامية.

وقد أدى هذا الاستغلال للدين إلى حدوث خلل عميق بين القومية والإسلام، وجعل الدعوتين ضد بعضهما البعض، وأملت السعودية في أن يؤدي هذا الصراع إلى إضعاف كل منهما، بدلا من هزيمة القومية العربية فحسب.

وبالمثل، لم تكن السعودية تريد الانتصار للإسلام، لأن ذلك من شأنه أن يهدد مستقبلها كملكية مطلقة بعيدا عن النظام الإسلامي المثالي الذي يتصوره المسلمون.

ومع نهاية الجولة الأولى من الحرب الباردة العربية، أرادت المملكة استنفاد الإسلام والمسلمين غير القادرين على التحرر أو إحداث أي نوع من النهضة، وقد تعمدت السعودية استهلاك الإسلام إلى حد استنفاد قواه، وكانت تأمل من هذا أن يقضي القوميون والإسلاميون في النهاية على بعضهم البعض في هذا النضال الأبدي.

قطر.. الجار الشقي

في عام 1990، ظهرت قطر على الساحة كمركز منافس للخطابات السياسية البديلة، وبعد أن أمضت عدة أعوام في ظل «الأخ الأكبر» في الخليج، استطاعت قطر أن تبرز وتؤكد حضورها ضد المحاولات السعودية لإعادتها إلى مكانها، وبفضل صغر حجمها وثروتها الهائلة، إلى جانب حكامها الطموحين، تمكنت قطر بسرعة من إبراز صوتها الخاص في الخليج.

ولكي نفهم الأزمة الحالية التي تقودها السعودية ضد قطر، يجب علينا أن نفهم الهدف طويل الأجل للمملكة المتمثل في هزيمة الإسلاموية وحرمانها من إمكاناتها في إلهام التفكير الثوري وتعبئة الشعوب.

وعندما استغلت المملكة الإسلام كأداة للسياسة الخارجية في الستينات، لم تكن السعودية قد أدركت تماما أن لعبتها عبارة عن سيف ذي حدين، ومثل العديد من الديانات الأخرى، يمكن للإسلام أن يكون قوة محافظة تحرم الثورات وتحافظ على الطاعة، خاصة في سياق الملكية المطلقة.

ولكن في سياق مختلف، فلديه القدرة أيضا على أن يصبح قوة ثورية ملهمة الناس للصمود ضد القمع، وهذا هو الذي يخيف السعودية، في بلد ومجتمع يفتقر للخبرة في التعامل مع الأيديولوجيات العلمانية أو حشد الناس أو المجتمع المدني، لذا، فما يخشاه السعوديون الآن هو الإسلام، وإمكانية قيام هذا الدين بإلهام الثورة التي تخيف القيادة السعودية.

ومع رفض قطر إغلاق إمبراطوريتها الإعلامية أو جعلها تابعة لأهواء جارتها السعودية، ستبقى الرياض على أهبة الاستعداد.

وقد استطاعت قطر أن تكتسب صورة ودودة مع الإسلام في اللحظة التي بدأت فيها بث برامج أسبوعية منتظمة تستضيف علماء دين مشهورين مثل «القرضاوي»، وبالتالي إنهاء الاحتكار السعودي لإنتاج المعرفة والخطاب الديني.

ومع فقدان «الأزهر» المصري مصداقيته في ظل الأنظمة المصرية القمعية المتعاقبة، رأت السعودية الفرصة في ذلك لبدء إملاء تفسيرات الإسلام التي تتناسب مع سياساتها الخاصة، ومع ذلك، أحبط صعود قطر هذا الحلم، حيث تنافست قطر مع المملكة على إنتاج المعرفة الدينية، ووضعت حدا للاحتكار السعودي الذي لم يدم طويلا، وعلى الرغم من صغر حجمها، فازت قطر بحصتها من الموجات الدينية، الأمر الذي أثار غضب السعودية نتيجة لذلك.

وتشعر المملكة بالقلق من المخالب القوية لوسائل الإعلام في قطر، بما في ذلك قناة «الجزيرة»، وغيرها من المؤسسات الجديدة، خوفا من أن تنجح في تعبئة جيل جديد من الشباب السعودي، ويكافح النظام السعودي من أجل تدجين هذا الجيل من خلال استبدال الخطاب الإسلامي الثوري بوعود الرفاهية والتسلية، من خلال كرة القدم والحفلات والاستهلاك في مراكز التسوق.

وتشهد رؤية 2030 الجديدة وبرامج التحول الاقتصادي التي أطلقها ولي العهد، الأمير «محمد بن سلمان»، جهودا جادة لتحقيق التسييس الكامل للشباب السعودي، الذين يقدرون بـ60% من السكان، ويبدو أن ولي العهد قد اعتقد بجدية أن الترفيه سيمنع الشباب من التفكير في السياسة، وإذا أراد أن ينشغل الشباب بمسائل تافهة وأن يهتمون فقط بالقضايا غير السياسية، فإنه يحتاج إلى ترفيههم، وهكذا أنشأ لجنة خاصة للترفيه الحكومي تتولى توفير الجرعة المناسبة من المتعة كعلاج للتفكير النقدي والآراء المعارضة.

لكن ما دام هناك إسلام بديل على النقيض من ذلك الذي تنشره هيئة كبار العلماء السعودية، سيظل الخوف يتملك السعودية، لذلك، فإن الصراع السعودي - القطري ليس مجرد تحد من الأمير لإمارة صغيرة على هامش شبه الجزيرة العربية، لكنه ينطوي على مستقبل المعارضة السياسية وخطاب التعبئة وآفاق التغيير السياسي الخطير في العالم العربي، ولهذه الأسباب، ستكون قطر دائما مصدرا للقلق والشك في عيون السعودية، طالما لم تغير سياستها ولم تقبل الضغوط السعودية.

وطالما استمرت قطر في دعم ونشر الخطاب الإسلامي الشعبي، ستظل السعودية معادية، وستحشد كل مواردها للضغط عليها، ولا تريد المملكة إغلاق قناة الجزيرة ببساطة، بل تريد، في الواقع، إغلاق قطر نفسها، ويدل الحظر البري والجوي المفرط على قطر على الجهود الجادة للقضاء على الإمارة الصغيرة.

وعلاوة على ذلك، إذا اضطرت قطر إنهاء إمبراطوريتها الإعلامية، فلن يبقى هناك سوى صوت واحد فقط يخضع لسيطرة السعودية وحلفائها، حيث سيتم استخدام إمبراطورية وسائل الإعلام السعودية في تقديم وتأطير الأخبار والأحداث والتحالفات الجديدة بالطريقة التي يريدونها، دون تحديات خطيرة وذات مصداقية في العالم العربي.

ويكتسب هذا أهمية أكبر في ضوء التقارب الأخير بين السعودية و(إسرائيل)، وقد أيدت هذه الأخيرة علنا ​​مطالب السعودية بإغلاق مكاتب الجزيرة، وتشير التقارير إلى زيادة التعاون الأمني ​​والاقتصادي في أعقاب الزيارات الأخيرة إلى (إسرائيل) من جانب المهنيين والأكاديميين السعوديين.

وبدون وجود «الجزيرة»، من الذي سيجرؤ على التحقيق في التعاون السعودي - الإسرائيلي أو أن يقدم تقريرا عن ذلك في العالم الناطق بالعربية؟ ومن سيكشف التحالفات السرية والتعاون الأمني ​​والتبادلات الاقتصادية بين البلدين؟

وقد حقق «محمد بن سلمان» نجاحا بالفعل كسب دعم (إسرائيل)، وواصل التعاون السري معها في المسائل الأمنية والاقتصادية، وفي يوليو/تموز عام 2016، زار وفد سعودي من الأكاديميين ورجال الأعمال (إسرائيل) بهدف إقامة علاقات سرية، وكان الغرض منها تعزيز القدرات العسكرية السعودية وإلحاق (إسرائيل) بأي مواجهة مسلحة محتملة مع إيران.

كما أصبح للمملكة صلة جغرافية واستراتيجية جديدة مع (إسرائيل)، بعد أن تنازلت مصر للسعودية عن جزيرتي صنافير وتيران في البحر الأحمر، وتطل الجزيرتان على مضيق تيران الذي يعد خط وصول (إسرائيل) الوحيد إلى البحر الأحمر، وقد يكون في المستقبل بمثابة منصة لتعزيز التعاون العسكري والأمني ​​بين (إسرائيل) والمملكة.

ويجري حاليا إعداد الجمهور السعودي من أجل تعاون أكبر مع (إسرائيل)، خاصة من خلال وسائل الإعلام التي ترعاها السعودية، وهي الآن أكثر استعدادا للسماح للمقالات التي لا تنتقد بشكل علني الاحتلال الإسرائيلي ومعاملته للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.

كما انتقدت السعودية قطر لدعمها حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التي تعتبرها الآن منظمة إرهابية، ومن المؤكد أن «محمد بن سلمان» قد أسعد الإسرائيليين بذلك، وأكد لهم استعداده للمزيد من التعاون.

وعلاوة على ذلك، من الذي سيواجه في المستقبل السرد السعودي حول الاقتصاد السعودي الرائع، ومخططات الخصخصة وازدهار التجارة النيوليبرالية؟ ومن سيقدم تقريرا عن انتهاكات حقوق الإنسان واحتجاز السجناء والنشطاء السلميين داخل المملكة؟ ترغب المملكة في التأكد من ألا يجرؤ أحد على فعل ذلك.

الخسائر السعوددية

وقد تسببت الأزمة السعودية القطرية بالفعل في شق صف الخليج، لكن السعودية لم تنجح بعد في إسكات الروايات والخطابات البديلة حول شؤونها الداخلية وسياساتها الإقليمية.

وعلى الصعيد المحلي، سوف يشعر النظام السعودي بأمان أكبر إذا استسلمت قطر وتخلت عن دورها كجار شقي ومرعب في الخليج.

ولكن بعد أكثر من 6 أشهر من الأزمة، لا توجد دلائل واضحة على أن هذا يحدث، وما يخيف المملكة هو الخطاب الذي يربط الإسلام بالمفاهيم السياسية الحديثة مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والمجتمع المدني.

وتريد المملكة الإسلام الذي يعد الناس بالحياة الآخرة بدلا من هذه الحياة، وبالتالي ظهر عداؤها مؤخرا للإسلاموية، خاصة تلك الأشكال التي تبشر بتوافق الإسلام والديمقراطية، وما دامت قطر تتبنى هذا النوع من الإسلاموية، فإن المصالحة في الخليج تبقى بعيدة.

وقد كشفت الأزمة مع قطر مخاوف النظام السعودي وتراجع مكانته في العالم العربي، وأكدت أن تقييم سياستها الإقليمية غير منتظم، ما أدى إلى الفشل في العديد من المناطق الساخنة العربية، مثل دمشق وصنعاء والآن الدوحة.

ومنذ الأزمة، حاولت السعودية بناء جسور مع العراق من أجل التوصل إلى اتفاق أو طريقة للتهدئة مع إيران، لكن التحركات الناجحة تجاه العراق لم تسفر بعد عن نتائج ملموسة لصالح المملكة، وصحيح أن موسم الحج هذا العام لم يسفر عن خلاف كبير مع إيران، ولكن نظرا لتاريخ العداوة والطائفية، فإنه من الصعب تصور استبدال العداء بالوئام في المستقبل القريب.

ولم تساعد الأزمة مع قطر وشدة ردود الفعل السعودية هذه الأخيرة في تعزيز مكانتها عالميا أو إقليميا، ناهيك عن المستوى المحلي.

ومن خلال الحصار غير المبرر المفروض على قطر، والأداء الإعلامي السعودي الساذج الذي يحاول تشويه الحياة الشخصية للقيادة القطرية، أرسلت السعودية رسالة خاطئة إلى العالم.

وفي الواقع، كانت إدارتها للأزمة إدارة هاوية وغير محترفة، وقد أتت بنتائج عكسية، ومن المرجح أن يتساءل حلفاؤها الآن عن فوائد التقارب مع هذا النظام، ولابد أن يكون أعداؤها فرحين بهذه الصورة السيئة فيما يتعلق بإدارتها للعلاقات الدولية والسياسة الخارجية.

ومؤخرا، انتعشت آمال إنهاء الأزمة السعودية - القطرية بعد أن أعلنت وكالة الأنباء القطرية اتصالا هاتفيا من الشيخ «تميم» أمير قطر إلى ولي العهد السعودي، لكن القيادة السعودية من خلال أتباعها على وسائل التواصل الاجتماعي فسرت ذلك باقتراب ركوع قطر واستعدادها للاستسلام، ورأى السعوديون المكالمة الهاتفية فرصة لإهانة قطر بدلا من التوفيق معها.

وقد ثبت أن هذا النهج في حل النزاعات يؤدي إلى نتائج عكسية بل خطيرة، إذ إن نمط عدم احترام سيادة البلدان الأجنبية يمكن أن يعود بنتائج عكسية على المملكة نفسها في المستقبل، فالقيادة السعودية تطيل صراعا قد يصبح شوكة في خصر منطقة الخليج، وتحت القيادة الجديدة المفترضة، قد نرى قريبا انحدار الخليج إلى مزيد من الانقسامات.