السبت 30 سبتمبر 2017 12:09 ص

قبل عام تقريبا بدأت مجموعة من لاعبى كرة القدم الأمريكية رفض الوقوف أثناء عزف النشيد الوطنى عند بدء مباريات دورى كرة القدم، وتعد هذه الرياضة الأكثر شعبية فى الولايات المتحدة. وكانت البداية مع لاعب فريق سان فرانسيسكو كولين كيبرنيك الذى رفض الوقوف أثناء عزف النشيد الوطنى، احتجاجا منه على ما يراه من وحشية قوات الشرطة وعنصريتها تجاه الرجال السود، وقام بالركوع كسلوك احتجاجى.

جدير بالذكر أن الركوع يعتبر أداة اعتراض سلمى لها رمزية فى التاريخ الأمريكى ضد العنصرية. وكان لما قام به كولين كيبرنيك ردود فعل متناقضة ومثيرة، فانقسمت الجماهير بين مناصرين لكولين ومعارضين له، ثم أصبح قميصه وعليه رقمه واسمه هو الأكثر مبيعا بين كل اللاعبين الأمريكيين. إلا أنه أيضا تم اختياره فى تصويت للموقع الرسمى للدورى الأمريكى كأكثر لاعب مكروه من الجماهير، ولم يجدد النادى عقد اللاعب.

أثناء حملته الرئاسية، غرد الرئيس الأمريكى على موقع تويتر قائلا: «إن الركوع ليس له علاقة بحرية التعبير، بل يتعلق بعدم احترام بلدنا وعَلمنا ونشيدنا وإنه عمل غير وطنى، وهذه القضية ليس لها أى علاقة بالعنصرية. وبدأت فى الأفق ملامح معركة اشتدت وتيرتها خلال الأيام الأخيرة».

من ناحية أخرى يستغل ترامب المشاعر القومية المتزايدة منذ فوزه لتحقيق مكاسب سياسية.

وبدا ذلك واضحا بعد فوزه بالانتخابات فى نوفمبر الماضى، عندما ازدادت ظاهرة حرق العلم الأمريكى ممن لم يرق لهم وصول ترامب للبيت الأبيض.

وطالب ترامب بضرورة عدم السماح بحرق العلم، بل نادى بضرورة وجود عواقب وأقترح سحب الجنسية أو السجن لمن يقدم على هذا الفعل. وذَكر مستشارو ترامب الرئيس الجديد بحكم المحكمة الدستورية العليا الأمريكية التى أصدرت حكما عام 1990، أكدت فيه أن حرق العلم شكل من أشكال التعبير عن الرأى، ولا يمكن تجريمه!.

ثم صعد ترامب من سخونة القضية وذلك خلال كلمة له خلال مؤتمر انتخابى بولاية آلاباما مساء الجمعة الماضى، وأمام الآلاف من انصاره قال ترامب «ألا تحبون أن تروا ملاك هذه الأندية التى لا يحترمون العلم الأمريكى لتقولوا لهم: أخرجوا من الملعب أولاد العاهرات فورا». وقبل مباريات يوم الأحد الماضى غرد ترامب مكررا موقفه السابق من ضرورة الوقوف احتراما للنشيد الوطنى، ومحذرا من مخاطر استمرار اللاعبين فى هذه الظاهرة ومهددا بأن نسبة الحضور ستنخفض فى الاستادات وستنكمش نسب المشاهدة على شاشات التليفزيونات، وأن ذلك سيحدث سريعا.

* * *

وجاء يوم السبت وما كان من رئيس اتحاد كرة القدم الأمريكية NFL روجر جودويل إلا أن يصدر بيانا صارما يقول خلاله «من سوء الطالع خروج تصريحات غير مناسبة وتعليقات لا تُظهر أى احترام للعبة، ولا لدورى كرة القدم الأمريكى ولا للاعبينا. رياضتنا ولاعبونا عظماء، ومن الأسف أن هناك البعض ممن لا يفهمون ما يمثله اللاعبون وأندية كرة القدم لمجتمعنا ولقيمنا».

ثم خرج رئيس رابطة لاعبى كرة القدم ليصدر بيانا منفصلا كرئيس الرابطة التى تضمن كل اللاعبين الحاليين والسابقين جاء فيه «لقد تم التعدى على حقوق مواطنين فى بلدنا العظيم من خلال من يقول لهم اخرسوا وقوموا باللعب فقط».

وخلال مباريات الأسبوع الثالث من دورى كرة القدم الأمريكية التى بدأت يوم الأحد الماضى ركع أكثر من مائة لاعب أثناء عزف النشيد الوطنى قبل بدء المباريات. فى حين امتنع لاعبو فرق بيتسبرغ وتينيسي، وفرق نيوأورلينز وكارولينا عن الخروج للملعب إلا بعد الانتهاء من عزف النشيد الوطنى.

وصرح جوليوس بيبرس (أحد أهم لاعبى كرة القدم الأمريكية بفريق كارولينا) لموقع الفريق:

«أريد أن أوضح شيئا واحدا أن ما نقوم به ليس له أى علاقة بعدم احترام الجيش الأمريكى، أو عدم احترام قوات الشرطة، أو عدم احترام قوات الدفاع المدنى. الأمر يتعلق بى فقط كشخص من حقه أن يتخذ ما يرى من قرار يخصه فقط وبحرية. ما قاله الرئيس ترامب هذا الأسبوع أراه يمثل اعتداء على إخوتى ورفقائى، ومن هنا أنا أقاطع عزف النشيد الوطنى وسأدخل للملعب فور انتهائه».

حديث ترامب المستمر على تويتر لم يمر مرور الكرام حيث كان له رد فعل كبير ولكنه أيضا جاء برد فعل عكس ما كان يتوقعه ترامب، حيث ازداد عدد اللاعبين «الراكعين» قبل المباريات وخلال النشيد الوطنى وشهدت عدة مباريات انضمام عدد كبير من ملاك الأندية للاعبين قبل المباراة فى عدم الوقوف احتراما للنشيد الوطنى.

* * *

وأنضم الكثيرون من لاعبى رياضة البيسبول لرفقائهم من لاعبى كرة القدم، وركع العشرات منهم وتشابكت أيديهم أثناء عزف النشيد الوطنى خلال بداية مباريات الأسبوع الماضى. أما اتحاد رياضة سباق السيارات NASCAR فقد حذرت سائقيها من أنهم سيستغنون ويسرحون أى لاعب لا يقف احتراما للنشيد الوطنى.

ثم عاد الرئيس ترامب بسحب دعوة تقليدية وجهها لستيفن كيرى أفضل لاعبى فريق جولدن ستيت الفائز بدورى كرة السلة لزيارة البيت الأبيض ولقائه وذلك بعدما أظهر الأخير ترددا فى قبول الدعوة. وغرد ترامب قائلا: «الحضور للبيت الأبيض شرف عظيم للفريق الفائز ولاعبيه، لكن أن يتردد ستيفن كيرى فى قبول الدعوة، وعليه فالدعوة تعتبر لاغية».

وردت إدارة النادى قائلة: «ليس هناك أكثر أمريكيةً من حق أى مواطن فى التعبير عن رأيه وموقفه كما يريد وبحرية». ودخل أفضل لاعب كرة سلة حاليا، جيمس لبرون، على خط دعم صديقة كيرى قائلا «نعم كان يعد شرفا عظيما أن يتم دعوة لاعب للبيت الأبيض حتى وصلت أنت ترامب شخصيا إلى البيت الأبيض».

ولا يبدو أن الرئيس ترامب سيتوقف عن استغلال هذه القضية لحشد وتعبئة قواعده الشعبية البيضاء اليمينية. ولا يتوقف ترامب عن الهجوم، بل دعا الأندية إلى طرد اللاعبين الذين لا يقفون احتراما للنشيد الوطنى. وأظهرت استطلاعات الرأى دعم 62% من الأمريكيين معارضة ترامب لركوع اللاعبين أثناء عزف النشيد الوطنى، ويوافق على سلوكهم فقط 38%.

من حُسن حظ أمريكا وجود نوع من توازن القوة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهو ما يضع حدودا لرغبات الرئيس فى احتكار تعريف الوطنية، ويسمح للمعترضين بممارسة حقهم فى التعبير حتى لو اعتبره البعض إهانة لعلم الدولة أو عدم احترام للنشيد الوطنى.

 * محمد المنشاوي صحفي متخصص بالشؤون الأمريكية يكتب من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية