الأربعاء 4 أكتوبر 2017 12:10 ص

خبران خرجا اليوم الإثنين من جهات رسمية في مصر، منها وزارة المالية، يعكسان مدى الخداع الذي تمارسه هذه الجهات ضد المصريين من حيث رسم صورة متفائلة جدا عن الوضع الاقتصادي للبلاد والموارد الدولارية التي تصب في احتياطي النقد الأجنبي، يحدث ذلك على عكس الحقيقة، وفي النهاية يجد الجميع أنفسهم يعيشون في سراب يشبه بالضبط وهم مشروع المليون وحدة سكنية الذي ذهب أدراج الرياح.

الخبر الأول خرج من وزارة المالية، وتكشف فيه وثيقة حكومية أن استثمارات الأجانب في الأوراق المالية، سواء أذون الخزانة أو السندات ارتفعت إلى 18 مليار دولار حتى نهاية شهر سبتمبر/أيلول الماضي.

أما الخبر الثاني فخرج من البنك المركزي، ويعلن فيه البنك عن ارتفاع الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، خلال سبتمبر الماضي، بنحو 391 مليون دولار، ليبلغ 534. 36 مليار دولار، مقابل 143. 36 مليار دولار، في أغسطس/آب السابق له.

بداية، لا أحد يكره أن تكون هذه الأرقام حقيقية وتعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد المصري من قبل المستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية، كما تنعكس بشكل مباشر وإيجابي على المواطن، لكن لنضع الأرقام في مكانها الصحيح، حتى لا يعيش المواطن في سراب متواصل وينتظر هطول مليارات الدولارات عليه، كما حلم في أعقاب مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي المنعقد في مارس/آذار 2015.

ولنبدأ بالرقم الأول المتعلق باستثمارات الأجانب في أدوات الدين، وهنا يجب أن نشير إلى عدة أمور رئيسية:

الأول: أن الاستثمارات في أذون الخزانة يتم تصنيفها على أنها أموال ساخنة يمكن أن تهرب من البلاد خلال 24 ساعة في حال حدوث خطر، لا قدر الله، أو حدث تحول جذري داخل المجتمع، حدث ذلك عقب قيام الثورة المصرية في يناير 2011 ووقوع عمليات إرهابية عنيفة في البلاد مثل تلك التي شهدتها مدينتا شرم الشيخ وطابا في سنوات سابقة.

الثاني: أن هذه الاستثمارات الساخنة جاءت لمصر لأسباب عدة أبرزها على الإطلاق سعر الفائدة العالية والبالغ 20% سنويا على استثماراتهم، وهو سعر مغرٍ لأي مستثمر، كما أن زيادة أسعار الفائدة بنسبة 7% منذ تعويم الجنيه وفي أقل من 10 أشهر ساهم بشكل كبير في جذب المستثمرين الأجانب لأدوات الدين المصرية، وبالتالي إذا تراجع سعر الفائدة في مصر يمكن للمستثمر الأجنبي أن يهرب ويبحث عن فرصة مغرية جديدة في بلد آخر.

الثالث: أن استثمارات الأجانب الساخنة يمكن أن تلحق أضرارا شديدة بالاقتصاد القومي في حال هروبها، خاصة أن قيمتها البالغة 18 مليار دولار تمثل نحو نصف الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية، وهذا يعني أنه في حال هروبها فإنها تشكل ضغطا شديدا على البنك المركزي الملتزم بتدبير نقد أجنبي لهؤلاء المستثمرين، وهنا يمكن أن ينهار الاحتياطي، لا قدر الله، خاصة إذا ما تم تمويل تحويلات استثمارات الأجانب من الاحتياطي الأجنبي أو صاحب عملية الهروب وجود ديون خارجية مستحقة على البلاد في نفس التوقيت.

الرابع: هو أن رهان بعض المسؤولين في الدولة على تحول الاستثمارات الساخنة في أدوات الدين إلى استثمارات مباشرة، وأن تتحول أموال الأجانب المستثمرة في الأذون والسندات لمشروعات إنتاجية هو رهان خاسر، فالمستثمرون الأجانب في الأذون والسندات يبحثون عن الربح السريع والبعد عن المخاطر والضمان، هم قناصو صفقات وليس من بين اهتماماتهم زيادة الإنتاج والتصدير داخل الدولة التي يستثمرون فيها، إذن على هؤلاء المسؤولين أن ينسوا قصة تحويل هذه الاستثمارات من أموال ساخنة إلى استثمارات مباشرة.

الأمر الخامس والأخير يتعلق بما رددته وزارة المالية في مصر اليوم حول أن من مظاهر تعافي المؤشرات الاقتصادية "تزايد تدفقات رصيد الأجانب في الأوراق المالية لتصل إلى 18 مليار دولار في سبتمبر 2017 مقابل مليار دولار في يونيو 2016" فهذا كلام خادع، فالمستثمر الأجنبي لن يوجه أمواله لسوق يشهد سعر الصرف به اضطرابات عنيفة ويجد صعوبة في تحويل أمواله للخارج، وهو ما كان يحدث قبل تعويم الجنيه، أما إن استقر سوق الصرف وتم حل مشكلة التحويلات عن طريق البنك المركزي، هنا تأتي الأموال الساخنة، خصوصاً إذا ما تم إغراؤها بسعر فائدة يفوق كل الأسعار المتعارف عليها في دول العالم.

ورغم ذلك دعونا نعترف بأن الاستثمارات الأجنبية ليست كلها شر، فالدولة يمكنها الاستفادة من الأموال المستثمرة في الأذون والسندات في دعم استقرار سوق الصرف وتوفير السيولة الطارئة للسوق، لكن من الخطورة الاعتماد على هذه الأموال الساخنة، ومن الخطورة إضافة هذه الأموال لاحتياطي البلاد الأجنبي أو التعامل مع هذه الاستثمارات على أنها إيرادات قادمة من مصادر حقيقية مثل السياحة وتحويلات المغتربين والاستثمارات المباشرة والصادرات.

على الحكومة أن تبحث عن بديل حقيقي للاستثمارات الساخنة التي يكون ضررها أكثر من نفعها من خلال زيادة الإنتاج والصادرات والسياحة والتحويلات الخارجية وإقناع المستثمرين الأجانب بتوجيه أموالهم إلى مصر للاستفادة من فرص واعدة غير محدودة وموقع متميز، ويد عاملة رخيصة، وهذا كله بحاجة لاستقرار حقيقي في كل شيء.

أما بالنسبة للرقم الثاني المتعلق بالاحتياطي الأجنبي فهو في حاجة لمقال موسع يرصد طبيعة تركيب هذا الاحتياطي، والالتزامات المستحقة عليه من ودائع وقروض وغيرها.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي مصري