الأحد 15 أكتوبر 2017 02:10 ص

ضجت الدنيا الإعلامية الخليجية ومصر السيسي على كاتب المقال، وراح الكل يبحث عن نسب الكاتب وخلفياته، وراح كل من كتاب الأزمات والسلطات ينسبون إليه ما لا يدعيه ولا يقره.

كل هذا التهويل الإعلامي حدث تعقيبا على برنامج سياسي أجرى معه مداخلة في تلفزيون قطر الأسبوع الماضي حول أوضاع الخليج العربي الراهنة وتناول البرنامج حديثا عن الحشد القبلي الذي حدث على أرض السعودية إلى جانب أمور أخرى، وجاء ذكر حرب البسوس.

(1)

أذكّر القاري الكريم بأن حرب البسوس دارت رحاها بين قبيلة تغلب بن وائل وحلفائها، وبين بني شيبان وحلفائهم من قبيلة بكر بن وائل، بعد مقتل كليب بن ربيعة التغلبي على يد جساس بن مرة الشيباني ثأرا لخالته البسوس بنت منقذ التميمية، بعد أن قتل كليب ناقة كانت لجارها سعد بن شمس، ودامت هذه الحرب أربعين عاما وفي رواية أخرى بضعة وعشرين سنة.

حرب البسوس قامت في فترة لم يعرف فيها المجتمع العربي "الدولة" ومؤسساتها، وكانت القبيلة هي المؤسسة التي يعتمد عليها الخلق في الدفاع عنهم في الأزمات وتنظيم حياتهم. وفي مداخلة الكاتب التلفزيونية في "برنامج الحقيقة" ذهب إلى القول بأن القبيلة في وجود مؤسسات الدولة العصرية ينعدم دورها، وتصبح إحدى مؤسسات المجتمع المدني وليس لها دور عسكري.

جاء ذلك في إطار نصيحة مباشرة للحشد القبلي الجرار الذي عقد في "أنطاع" القريبة من النعيرية بالمملكة العربية السعودية. حيث استعرضت قبائل "المرة" و"يام" و"العجمان" قوتها البشرية، وردد رجالها صيحات الحرب من على صهوات الخيول شاهرين سيوفهم وخناجرهم رافعين الأعلام، والمعنِيّ من ذلك التحشيد دولة قطر، من أجل استرجاع جواز سفر.

وقيل إن تلك القبائل قطرية، لكن نظري لم يقع على علم قطر في ذلك الحشد الرهيب إنما إعلام دولة أخرى. وقيل إن عدد تلك القبائل القطرية التي تجمعت على أرض ليست قطرية يصل إلى أكثر من 200 ألف رجل، معنى ذلك أن قطر لم يبق على أرضها إلا النساء والأطفال.

(2)

قلت في ذلك البرنامج إن القبيلة جُربت في حرب اليمن مرتين، الأولى لاستعادة النظام الملكي الذي أطيح به عام 1962 وقيام نظام جمهوري، وبقيت الحرب دائرة على صعيد اليمن أكثر من خمسة أعوام ولم تحقق أهدافها رغم الأموال الطائلة التي صرفت عليها، وحقق الجيش النظامي اليمني أهدافه في استمرار النظام الجمهوري حتى يومنا هذا.

والثانية في حرب عاصفة الحزم 2015 إلى اليوم للإطاحة بالانقلابيين في صنعاء (الحوثيين وعلي عبد الله صالح) ولم يتحقق الهدف. وما برحت الحرب مستعرة نيرانها، ورأي الكاتب أنه لو استخدم الجيش النظامي اليمني بقيادات عسكرية يمنية لتحقق النصر على الحوثي وصالح، ولكن ما برحت بعض الدول العربية والخليجية على وجه التحديد تدير شؤونها ونزاعاتها وخلافاتها بعقلية القرن الأول الميلادي.

(3)

إن استدعاء القبيلة أو الطائفة غير مجد في أي خلاف بين الدول ذات السيادة في العصر الحديث، ويشكل خطورة:

أولًا، على النظام المستعين بالقبيلة والطائفية لحل خلاف أو صرع بين نظامين عربيين أو أكثر.

وثانيا، على أفراد القبيلة والطائفة. فالقبيلة أو الطائفة التي تتلقى توجيهات ضد نظامها السياسي من خارج الحدود لا تستحق حق المواطنة في تلك الدولة ولا العيش على صعيدها.

إن زمان التحشيد القبلي وصيحات الحرب من على صهوات الخيل ولمعان السيوف والخناجر قد ولىّ إلى غير رجعة. وبقيت آلة الحرب الحديثة التي رأينا ونرى أفعالها في الشام والعراق واليمن وليبيا.

إن النظام السياسي الذي لا يعتمد على مؤسساته الرسمية مثل الجيش وقوى الأمن وتماسك الجبهة الداخلية وغير ذلك من مؤسسات الدفاع عن الدولة، و يلجأ إلى القبلية أو الطائفية والمرتزقة (بلاك ووتر وأمثالها) لحماية امن البلاد واستقلالها وسيادتها- أقول إنه لا مستقبل لمثل ذلك النظام.

(4)

إن الحملة الإعلامية التي شنت على كاتب هذا المقال اجتزأت ما تريد استخدامه من مقابلة التلفزيون وتركت الجوهر، واعتذر لمن أساء الفهم، فما كنت أريد قوله أن ذلك التحشيد القبلي في عصرنا الراهن لم يعد مجديا في عصر الحاسوب والتكنولوجيا العسكرية.

كما أؤكد على احترامي وتقديري لكل قبائل قطر والمقيمين الذي يهمهم أمن وسلامة واستقرار قطر. كما أن الضرورة الوطنية والقومية تدفعني إلى مناشدة القبائل العربية خارج الحدود القطرية بأن يدركوا أن الزج بهم في صراع مع أهل قطر سيلحق بهم أضرارا بليغة لأنه يوجد في الجانب القطري أهل لهم وإخوان.

* د. محمد صالح المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر

المصدر | الشرق القطرية