الاثنين 12 يناير 2015 08:01 ص

عندما احتلت «مريم المنصوري»، وهي طيار مقاتل من دولة الإمارات العربية المتحدة، عناوين الصحف في سبتمبر/أيلول الماضي، لقيادتها الضربات الجوية ضد «الدولة الإسلامية»، كانت قد شكلت بذلك الوجه الشعبي لطموحات بلادها.

الإمارات العربية المتحدة، والتي اشتهرت بجاذبيتها المالية ورمزها ناطحات السحاب في دبي، بدأت باستعراض عضلاتها الدبلوماسية والعسكرية أيضا.

وفي العام الماضي، ساعدت هذه الدولة في ترسيخ حكم الجيش في مصر، ويقال إنها أرسلت طائرات لقصف الإسلاميين في ليبيا، وقامت كذلك بالانضمام إلى الحملة الأمريكية ضد المتشددين في سوريا.

ومع غرق القوى العربية التقليدية في الحرب أو الاضطرابات السياسية، وانجراف الاهتمام الأمريكي إلى مكان آخر، بات هناك مساحة متاحة لدول الخليج الغنية بالنفط لممارسة المزيد من التأثير على منطقة الشرق الأوسط.

وتعلن الإمارات عن نفسها اليوم كمثال للنجاح الاقتصادي المبني على النموذج الاجتماعي الليبرالي، على الرغم من أن الثروة النفطية والعدد الصغير من السكان قد يحد من أهميتها كنموذج إقليمي، وعلى الرغم أيضًا من تشكيك جماعات حقوق الإنسان بمدى التسامح المفروض من قبل الدولة.

وقال «مشعل القرقاوي»، وهو المدير التنفيذي لـ«معهد دلما للبحوث» في أبوظبي، إن الدور الذي تريد الإمارات أن تلعبه هو أن تكون قائدًا للأفكار، ودولة الإمارات هي اتحاد من سبع إمارات، تعد دبي مركزه التجاري وأبوظبي عاصمته الرسمية ولدى هذه الدولة حوالي 6% من احتياطيات النفط العالمية، واقتصادها المقدر بـ 420 مليار دولار هو أكبر ثاني اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، بعد المملكة العربية السعودية.

من يحكم البلاد؟

يقول محللون إن الشيخ «محمد بن زايد آل نهيان»، ولي عهد أبوظبي، هو الشخص الذي يقف وراء الموقف الأكثر جرأة للدولة، وكثيرًا ما تمت الإشارة إلى هذا الشيخ كزعيم بحكم الأمر منذ عانى أخيه الشيخ «خليفة» وهو رئيس البلاد من السكتة الدماغية العام الماضي.

وقال «عبدالخالق عبدالله»، وهو أكاديمي إماراتي ومؤلف كتاب «النظام الإقليمي الخليجي»، إنه من الواضح أن ولي العهد هو من يحكم البلاد، وأضاف: «إنه شخص شاب، وطموح، وينقل دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مرحلة جديدة».

وينظر القادة الإماراتيون إلى بلادهم كجزء من المحور الجديد الذي يضم السعودية، ومصر، والأردن، وبعد أن بقي هؤلاء القادة وراء الكواليس في الماضي، هم الآن يظهرون على شاشات التلفزيون الأمريكي، ويكتبون مقالات الرأي في الصحف الدولية، و«المنصوري الطيار الأنثى، تتناسب تمامًا مع السرد المعلن حول هذه الدولة العربية التقدمية التي لا تعيق تقدم المرأة.

لا تسامح

وقال «يوسف العتيبة» سفير الدولة لدى الولايات المتحدة، في مقابلة عبر الهاتف: «إننا ماضون في تعزيز أيدلوجية أكثر حداثة، وتسامحًا، واعتدالًا، ويمكنك أن ترى هذا الفكر في الممارسة العملية في مكان مثل الإمارات العربية المتحدة».

ولكن جماعات حقوق الإنسان تقوم بانتظام بانتقاد سجل الإمارات العربية المتحدة في ملاحقة الناشطين، وقمع الانتقادات، فضلًا عن فشلها في حماية حقوق العمال المهاجرين الذين يشكلون غالبية سكانها، وهي الانتقادات التي رفضت الحكومة صحتها مرارًا.

وقال «كريستوفر ديفيدسون»، أستاذ سياسات الشرق الأوسط في «جامعة دورهام» في المملكة المتحدة، ومؤلف كتاب «بعد الشيوخ: الانهيار القادم لممالك الخليج»، إنه «ليس هناك تسامح على الإطلاق إذا كنت لا تتفق مع نموذجهم في الاعتدال».

عتبة منخفضة

وكما تفعل جارتها وحليفتها المملكة العربية السعودية، تحظر الإمارات العربية المتحدة الأحزاب السياسية. وتصنف كذلك منظمات مثل جماعة «الإخوان المسلمين»، كجماعات إرهابية مثلها مثل الجماعات المسلحة المتشددة على نمط «الدولة الإسلامية».

وقال الشيخ «عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة، لـ«فوكس نيوز» الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني: «إن العتبة منخفضة جدًا لدينا عندما نتحدث عن التطرف».

وأضاف: «بالنسبة للعديد من الدول، تعريف الإرهاب هو أن تحمل السلاح وتروع الناس.. بالنسبة لنا، إنه أبعد من ذلك.. نحن لا يمكننا أن نتسامح حتى مع كمية أصغر وأصغر من الإرهاب».

وتعد الرغبة في هزيمة الجماعات الإسلامية، التي يقول المسؤولون إنها تهدد الاستقرار والقيم في دولة الإمارات، السبب وراء مشاريع السياسة الخارجية الأكثر طموحًا للبلاد. وفي مصر، أيدت الإمارات الإطاحة بالزعيم الإسلامي المنتخب «محمد مرسي» من قبل الجيش في عام 2013، وقدمت المساعدات لحكومة الرئيس «عبدالفتاح السيسي»، وهو الجنرال الذي حل محل «مرسي».

أكبر قرار

وقال الأكاديمي الإماراتي، «عبدالخالق عبدالله»: «ربما كان هذا أكبر قرار سياسي يتخذ في الإمارات العربية المتحدة في السنوات الأخيرة».

الإمارات تقوم بتطوير مشاريع تقدر قيمتها بـ10 مليار دولار في مصر، وتتراوح بين بناء المنازل، ومد الجسور، وتوسيع أساطيل الحافلات. ويقول مسؤولون أمريكيون إن الإمارات تعاونت أيضًا مع مصر لإطلاق الضربات الجوية ضد الإسلاميين في ليبيا في أغسطس/آب، على الرغم من أن الحكومة لم تعترف بتنفيذ هذه الغارات.

ويأتي هذا الدور الخارجي الأكثر حزمًا لدولة الإمارات وسط غرق القوى العربية التقليدية في الاضطرابات، ومع انشغال مصر بشؤونها الداخلية، وانتشار الصراع الطائفي من سوريا إلى العراق.

وقال «مصطفى العاني» المحلل في «مركز الخليج للأبحاث» ومقره جنيف: «هناك فراغ في القيادة في العالم العربي»، وأضاف: «هذا ما يسمح للدول الصغيرة بأن تلعب دورًا رئيسًا».

عزل قطر

وواحدة من الدول الصغيرة الأخرى التي سعت لملء الفراغ في القيادة هي قطر، التي سلكت الخط السياسي المعاكس، من خلال استخدام ثروتها في دعم الإسلاميين بعد بدء الانتفاضات العربية في عام 2011، ولكن غضب المملكة العربية السعودية، زعيمة الملكيات السنية في الخليج، أدى إلى عزلة قطر، وعملت الإمارات على تعزيز هذه العزلة القطرية بالتنسيق مع السعوديين.

ومهما كانت طموحاتها الإقليمية، ليس لدى دول الخليج مثل قطر والإمارات العربية المتحدة، نموذج سياسي لتصديره لدول مثل مصر أو سوريا، التي لديها عددًا أكبر من السكان، وتفتقر لثروة الطاقة. كما أن هبوط أسعار النفط في الأشهر الستة الماضية بمقدار النصف تقريبًا، يمكنه أيضًا أن يشكل تحديًا لقدرة دول الخليج هذه على إظهار نفوذها.

وفي الماضي، ابتعدت الإمارات عن الأضواء عندما دعمت العمليات العسكرية الأمريكية، مثل حرب الخليج عام 1991، وقال «ديفيد ماك» وهو سفير الولايات المتحدة في البلاد خلال الثمانينيات: «في أيامي، كان يتوجب علي أن أوجه لهم الأسئلة إذا ما أردت معرفة شكوكهم حول سياساتنا. كانوا متحفظين للغاية».

وأضاف: «الآن، هم منفتحون أكثر بكثير حول التحدي لوجهات نظرنا عندما نختلف معهم، ولكنهم أيضًا لا يخشون من أن يقولوا للعالم بأنهم يتفقون معنا».

العلاقات العسكرية

لدى الجيش الإماراتي علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وتستضيف البلاد القوات الأمريكية في قاعدة الظفرة الجوية، وانضمت إلى ائتلاف القتال ضد «الدولة الإسلامية»، لكن رغم كل هذا، وكما هو الحال مع حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في المنطقة، توترت العلاقات بين الإمارات وأمريكا في السنوات الأخيرة.

وقال «آدم إيرلي»، سفير الولايات المتحدة لدى البحرين 2007-2011: «هذه البلدان ترى الولايات المتحدة مترددة بشأن ما كان يفترض أن يكون التزامًا لا يتزعزع بالشراكة معها».

ويلقي الإماراتيون، والقادة السعوديين، باللوم على الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»، لقبوله سقوط «حسني مبارك في مصر عام 2011 وصعود «الإخوان المسلمين» هناك، وكذلك غياب التدخل ضد الرئيس «بشار الأسد» في سوريا.

وبدوره، قال «وليام روغ»، سفير الولايات المتحدة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة 1992-1995: «لقد وجدت الإمارات مكانتها.. وجدت طريقها للعمل كلاعب رئيس».

المصدر | بلومبرغ // التقرير - الخليج الجديد