الجمعة 20 أكتوبر 2017 01:10 ص

لم ينل فيلم «ليفياثان» المثير للجدل إعجاب وزارة الثقافة الروسية؛ فهو يحفل بالمبالغات التي لا يمكن تصديقها، ويقدم روسيا كدولة ينخرها التواطؤ والفساد وحتى الإجرام، لكن هذا لا ينفي أن الفيلم يعد تحفة فنية من الناحية الدرامية والاخراجية، حسب تحليل للناقد السينمائي السوري «مهند النابلسي».

يلعب «أليكسي سيريبرياكوف» في الفيلم دور رجل عادي يكافح الفساد بلا هوادة حفاظا على بيته ومصالحه الشخصية؛ حيث تقع الأحداث ببلدة منعزلة بعيدة عن موسكو.

الفيلم من كتابة وإخراج «أندريه زيفياجينسيف»، وهو يتحدث عن بلد ينخره الفساد ويفتقد للقيادة النزيهة، بلد ينحدر للفوضى والمحسوبية والتغول حتى في ركن بعيد ناء (بمحاذاة بحر بارينتس).

ويطرح الفيلم سؤالا محوريا هاما: ما الذي سيحدث لرجل يريد مكافحة الفساد بعناد؟، ما الذي سيحدث في مركز الشرطة أو الكنيسة أو قاعة المحكمة؟، وهل هناك أحد جاهز للوقوف بجانب هذا الرجل «المسكين».

فهناك ميكانيكي يدعى «نيكولاي» (أليكسي سيريبرياكوف) يعيش بمنزل خشبي مطل على الشاطىء، بمحاذاة مدخل قرية الصيد القديمة، أما زوجته الجميلة «ليليا» (ألينا ليادوفا) فهي أصغر سنا وأقل تقلبا وأكثر هدوءا، وتعمل بمصنع لتعليب السمك، ولدى «نيكولاي» ابن وحيد في سن المراهقة، وهو نتيجة زواج سابق.

و«نيكولاي» مدمن على الكحول ويشرب الفودكا بكثرة.

أما رئيس البلدية الفاسد «فاديم» (رومان ماديانوف)؛ فهو يسعى للاستحواذ على الأرض التي يسكن فوقها «نيكولاي» بحجة بناء «مركز اجتماعي»، وفي هذا الصدد يتعرض الأخير لتحرشات وتهديدات.

وفيلم «ليفياثان» خسر الأوسكار أمام الفيلم البولندي «أدا» الذي يتحدث كما هو متوقع عن تداعيات الهولوكست اليهودي بألمانيا النازية.

ويظهر الملصق الاعلاني لفيلم «ليفياثان» بمنظر «هيكل عظمي ضخم لبقايا حوت أزرق» ملقى على الشاطى، ومن مشاهد الفيلم المعبرة لقطة لثلاثة رجال بحالة سكر وهم يهددون «نيكولاي» أمام إضاءة مصابح السيارة في المساء.

وفي ظل هذه الظروف، يسعى «نيكولاي» لاستئجار صديقه المحام البارع الذي يقيم بموسكو «ديمتري»، ويبدو أنهما يحققان نجاحا ملموسا من الناحية القانونية على الأقل، لكن مضاعفات غير متوقعة تظهر تدريجيا؛ حيث تتغير حبكة الفيلم باتجاه أخر يمس مصير العائلة «الدرامي» ويشتت المشاهد بدلا من التركيز على تجانس «الثيمة الأساسية» للفيلم.

كما أن إيقاع الفيلم يصبح بطيئا، لكن البعد الدرامي التشويقي يبقى متماسكا مع قوة التمثيل والإخراج.

بالطبع لا ينجح رجل عادي بمقارعة سياسي «فاسد ومتنفذ ومحنك»؛ حيث تبدو كمعركة من جانب واحد، وكل ما يريده «نيكولاي» هو التمسك والبقاء بمنزله البسيط الذي بناه على شاطئ البحر، ولا يستطيع أن يواجه العمدة بتبجحه ونفاقه وذكاءه وعشقه الكاسح للسلطة، ناهيك عن كونه شخصية عدوانية عصبية يرغب بسرقة الأخرين.

كما نرى الابن المراهق المحبط وهو يتناول الكحول مع رفاقه داخل الكنيسة ليغيبوا بالخدر والنسيان، ثم نرى إصرار «نيكولاي» على ممارسة مهنته وإصلاح السيارات المعطلة وأحيانا بالمجان، وكأنه يغرق نفسه بالعمل والفودكا.

كما نرى «ليليا» وهي تبدو لا مبالية، وتتألم من خيانتها لزوجها مع صديقه المحامي بهذه السرعة «غير المفهومة».

وتبدو بين ثنايا الفيلم صورة السياسي المتنفذ «كرتونية-ساخرة»، وتتناقض مع صورة الميكانيكي المستبسل للحفاظ على منزله وأرضه، والذي لا يبدو مثاليا وساذجا.

الفيلم يسلط الأضواء على الجوانب المظلمة للطبيعة البشرية، ويغوص بعرض حالات انتهاكات القانون، ولا نفهم سبب اختفاء الزوجة بالليل، وهل قُتلت أم انتحرت عندما وجدوا جثتها ملقاة على الشاطىء؟

وتتولى الأحداث؛ حيث يتم اتهام «نيكولاي» بقتل زوجته على خلفية خيانتها له، ويتم الحكم عليه بالسجن 15 عاما، لكنه يدعي البراءة بإصرار.

ويتزامن ذلك مع تلقي «نيكولاي» مكالمة هاتفية تفيد بالاستيلاء على ممتلكاته هكذا ببساطة وبلا استئناف.

كل شيء هنا يشير لوجود مؤامرة محكمة التدبير، ويختتم الفيلم بخطبة «متبجحة» من قبل الأسقف المحلي للكنيسة الجديدة، يركز فيها على الفضائل في هذا العالم الآثم المتقلب.

ثم يتحفنا مخرج الفيلم بمشهد أخير للبحر القطبي الهائج، وبموجات تضرب الشاطئ الصخري بمحاذاة الهيكل العظمي الهائل للحوت، وكأنه بقايا وحش البحر «التنيني».

وبغض النظر عن المضمون السياسي «المبالغ به»؛ فالفيلم يمثل عظمة إخراجية لافتة، ومنها مشاهد السكون والتأمل والمجاز المستمد من «الهيكل العظمي الضخم الملقى على الشاطىء».

ويتضمن الفيلم لقطات عديدة معبرة لحالات «الهجاء والتهريج والسخرية اللاذعة»، وصولا للكوميديا السوداء، ويخفي كثيرا من «الاحتدام والزخم» تحت السطح البارد للأحداث.

ويشير للغضب المستتر في ظل الأنظمة «المتسلطة المركزية»، كما أنه يشير بواقعية لممارسات «السب والشتم والهجاء» تحت تأثير شرب الفودكا الدارج بالمجتمع الروسي.

ولا يخفي الفيلم عقدة «المظاهر» التي ما زالت متأصلة عند طبقة «البيروقراطيين المتنفذين» الروس، والمتمثلة بحب الشهرة واضطهاد المساكين، وبالتمسك بمظاهر الثراء «الملابس والسجاد والتماثيل والمشروب».

كما بدت محاولات تشويه سمعة «النظام الروسي والكنيسة الأرثوذكسية» واضحة، غير أن الموضوع أكبر من مجرد الاستحواذ على قطعة صغيرة من الأرض، وإنما رؤيا «فلسفية ممتدة» للموت والبؤس والمعاناة والقهر.

المصدر | رأي اليوم